الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
14
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
كما أن تصور الموضوعات كذلك فالحق أن مسائل العلوم هي المطالب التصديقية المثبتة فيها وهي المحمولات التصديقية التي يراد من وضع الفن حصول التصديق بها فمسائل الفن هي ما يتعلق به تلك التصديقات ومن البين أن المعلوم بالعلم التصديقي هي النسبة التامة الخبرية فيكون مسائل الفنون عبارة عن تلك النسبة التامة وهي المتعلقة بالتصديق بعد إقامة الأدلة فتفسيرها بالمحمولات اللاحقة مما لا وجه له وقد يؤوّل بما يرجع إلى إرادة النسب التامة وهو قريب جدا مما حكاه الدواني فإن المثبت بالدليل هي النسب التامة فلا بد إذن من ملاحظة النسبة في المحمولات المثبتة بالدليل فيرجع إلى ما قلناه وكأنه مقصود الفاضل المذكور من تفسيرها بالمحمولات المنسوبة إلى موضوعاتها أو من حيث إنها منسوبة إليها فيكون المراد نسبتها ويشير إلى حمل كلام المصنف رحمة الله عليه تفسيره مسائل الفقه بالمطالب الجزئية المستدل عليها فيه ففيه شهادة على تسامحه في التعبير في المقام وفسرها جماعة بالقضايا التي تطلب في العلم فتكون عبارة عن مجموع الموضوع والمحمول والنسب التامة المذكورة وفيه ما عرفت إذ المقصود من إقامة الأدلة في الفن إنما هو التصديق بالنسب التامة فالمناسب بل المتعين أن يجعل المسائل عبارة عنها ويضعفه أيضا أنهم عدوا كلا من الموضوع والمسائل من أجزاء العلوم فلو فسرت المسائل بالنسب المذكورة صحت المغايرة بينهما وإن فسرت بالقضايا اندرج الأول في الثاني فلا يصح عده جزء آخر وما يعتذر عن ذلك حينئذ ركيك كما لا يخفى قوله وذلك الغير موضوعة إلى آخره ظاهره يعطي تعريف الموضوع بما يلحقه وتحمل عليه أمور غيره وهو كما ترى لا يوافق تعريفه المشهور من أنه ما يبحث عن عوارضه الذاتية وكأنه عرفه بالأعم اتكالا على ما اشتهر بينهم من الحد المذكور أو أنه أراد بذلك ما تلحقه اللواحق المذكورة في العلوم والمفروض أنها من العوارض الذاتية فينطبق على ما ذكروه وكيف كان فلنفصل الكلام في بيان ما أورده وفي المقام ثم نتبعه بما تحقق عندنا في هذا المرام فنقول قد ذكروا أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية والمراد بالعوارض المحمولات الخارجة عن حقيقة ما حملت عليه وقد فسروا العوارض الذاتية بما يعرض الشيء لذاته أو لجزئه أو للخارج المساوي دون غيرها من العوارض وفصلوا ذلك بأن العوارض على خمسة أقسام الأول ما يعرض الشيء لذاته كإدراك الجزئيات العارض للناطق وقد يمثل له بالتعجب اللاحق للإنسان وفيه تأمل الثاني ما يعرض الشيء لجزئه سواء كان مساويا له كإدراك الكليات العارض للإنسان بتوسط الناطق وأعم منه كالتحرك بالإرادة اللاحق للإنسان بواسطة الحيوان الثالث ما يعرض الشيء لأمر خارج مساو له كالسطح العارض للجسم باعتبار التناهي وكالضحك اللاحق للإنسان بواسطة التعجب ولا فرق بين أن يكون ذلك الخارج المساوي لاحقا له بذاته أو لجزئه المساوي أو لأمر خارج مساو آخر الرابع ما يعرض الشيء لأمر خارج أعم كالتحرك بالإرادة العارض للناطق بتوسط الحيوان الخامس ما يعرضه لأمر خارج أخص كإدراك الكليات العارض للحيوان بتوسط الناطق وجعلوا الثلاثة الأول عوارض ذاتية وعللوا ذلك بأن العروض فيها مستند بالذات أما في الأول فظاهر وأما في الثاني فلاستناده إلى الجزء وهو من مقومات الذات وأما في الثالث فلأن العارض المساوي مستند إلى الذات والمستند إلى المستند إلى الذات مستند إليها وأما الأخيران فلا استناد لهما إلى الذات بشيء من الوجهين المذكورين لوضوح عدم استنادهما إليها بلا واسطة وكذا مع الواسطة إذ المفروض استنادهما إلى الأعم من المعروض أو أخص منه ولا يمكن استناد شيء منهما إلى الذات نظرا إلى انتفاء المساواة وقد يورد على ذلك أمور أحدها ما أشار إليه بعضهم من أن هناك قسما سادسا خارجا من تلك الأقسام وهو ما يعرضه لأمر مباين له كالحرارة العارضة للماء لتوسط النار ولذا اختار صاحب القسطاس تسديس الأقسام وعد الأخير أيضا من العوارض القريبة بل جعله أولى بالقرابة من الأولين فيكون كل من العوارض الذاتية والقريبة عنده ثلاثة وردّ ذلك بأن المراد بالوسط في المقام ما يقترن بقولنا لأنه حين أنه كذلك فلا بد أن يكون الوسط محمولا عليه فلا يتصور أن يكون مباينا ولحوق الحرارة للماء في المثال المفروض ليس بتوسط النار بالمعنى المذكور بل بواسطة الممارسة أو المقاربة ونحوهما وهي من عوارض الجسم ولا مباينة لها للماء فهو راجع إلى أحد القسمين الأخيرين وتوضيح ذلك أن المراد بالعوارض كما عرفت هي المحمولات الخارجة وحينئذ فإن كانت تلك العوارض محمولة على موضوعاتها من دون ملاحظة حمل شيء آخر عليها أصلا كانت تلك العوارض عارضة لذات الموضوع وإن كان عروضها بواسطة حمل شيء عليها فذلك الشيء إما أن يكون داخلا في الموضوع أو خارجا حسبما فصلنا من الأقسام فلا يعقل أن يكون العروض بواسطة أمر مباين للماهية إذ من الواضح أن الأمر المباين غير مرتبط في نفسه بالمباين الآخر وإن لوحظ الانتساب الآخر الحاصل بينهما كانت الواسطة في الحقيقة هو الارتباط المفروض وهو مما يصح حمله على تلك الذات فالواسطة في المثال المفروض إنما هي الممارسة أو المقاربة ونحوهما وهي خارج عن الموضوع أعم منه فيصح حملها عليه وقد يورد على ذلك أولا بأن الواسطة لا تنحصر فيما ذكر إذ قد تكون الوسط أمرا مباينا للشيء ويكون حمل العارض على ذلك الوسط مصححا لحمله على ذلك المعروض كما في حمل الأبيض على الجسم فإنه بتوسط السطح المباين للجسم ويحمل أولا على السطح ويحمل بتوسط حمله عليه على الجسم وإن جعل الارتباط الحاصل بين السطح والجسم واسطة في ذلك فهو أيضا أمر مباين للجسم والقول بأن الواسطة إنما هو المسطح دون السطح مدفوع بأن المراد بالمسطح إن كان ما صدق عليه ذلك فهو عين الجسم وإن كان مفهومه فليس ذلك واسطة في المقام بل الواسطة هو عروضه للسطح الموجود في الخارج وثانيا أن المراد بالوسط في المقام هو الواسطة في العروض وذلك بأن يكون المحمول ثابتا للوسط أولا وبالذات ويكون بتوسطه ثابتا للذات لا بأن يكون هناك ثبوتان بل ثبوت واحد ينسب إلى الواسطة بالذات وباعتبار الواسطة المفروضة إلى الذات وليس المراد به الواسطة في الثبوت التي هي أعم من ذلك كما قد يتوهم حسبما يأتي الإشارة إليه كيف وقد اتفقوا على أن السطح من الأعراض الذاتية للجسم مع أنه إنما يعرضه باعتبار الانتهاء التي هو أعم من الجسم لعروضه للسطح والخط فيعرض سببه وكذلك الخط للسطح والنقطة للخط وحينئذ فلا وجه للتفصيل المذكور في المقام ولا لعد العارض لأمر خارج أعم أو أخص من الأعراض الغريبة مطلقا إذ لو كان الخارج واسطة في الثبوت وكان الصفة عارضة للذات أولا وبالذات من دون اعتبار عروضها أولا لغيرها كانت من الأعراض الذاتية ومن ذلك يظهر فساد جعل النار أو مماستها أو مقاربتها واسطة في المقام إذ ليس شيء من ذلك واسطة في عروض الحرارة بالمعنى المذكور وإنما تكون واسطة في ثبوتها وهي عارضة للجسم العنصري عروضا أوليا فيكون عروضها للماء بتوسط الجزء الأعم لا لأمر خارج من الذات فتحقق بما عرفت أن الأقسام ستة إلا أنه ليس العارض للأمر الخارج المباين من قبيل ما مثل به القائل المذكور وليس أيضا مندرجا في العرض القريب حسبما ذكره بل يندرج في الأعراض الذاتية إن كان ذلك الخارج