الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
15
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المباين مساويا للذات في الوجود وإن كان مباينا له في الصدق كما في المثال المفروض ولذا يبحث عن العنوان في العلم الذي موضوعه الجسم الطبيعي نعم لو كان الواسطة المباينة مباينة له في الوجود أيضا كما في الحركة الحاصلة لجالس السفينة بواسطة السفينة كان ذلك من الأعراض الغريبة فإن الحركة هنا إنما هي من أحوال السفينة المباين للجالس فيها بحسب الوجود فلو أريد عد العارض لأجل المباين من الأعراض الغريبة والذاتية فليعتبر المناسبة في الوجود والمساواة فيه فيحصل العارض بتوسط الأول من الأعراض الغريبة وبتوسط الثاني من الأعراض الذاتية سواء كانت مساوية له في الصدق أو مباينة له فيه قلت أما ما ذكره من كون المراد بالواسطة في المقام هو الواسطة في العروض دون الثبوت بالمعنى المقابل له فهو الذي يقتضيه التحقيق في المقام إذ العارض في الثاني إنما يعرض ذات الشيء فيكون من العوارض الذاتية لمعروضه وإن كان عروضه بتوسط الأعم أو الأخص أو غيرهما وليس المراد بكونها ذاتية أن يكون الذات كافية في ثبوتها أو عروضها كيف ولو كان كذلك لزم خروج معظم الأعراض الذاتية وحينئذ فلا يكون شيء من لوازم الوجود من الأعراض الذاتية حيث إن الوجود مما لا يمكن استناده إلى شيء من الماهيات وهو بين الفساد وأما ما ذكره من صحة كون الواسطة في العروض مباينا للمعروض فغير واضح بل الظاهر فساده بيان ذلك أنه من أن جعل الواسطة في العروض فيما يفتقر إلى واسطة في الأعراض القائمة بمجالها المباينة لمعروضاتها كما هو الشأن في العروض كان الحمل في جميع ما يفتقر إلى الواسطة الخارجية توسط الأمر المباين ولا يتحقق هناك واسطة خارجية لا يكون مباينة للمعروض بحسب الصدق ضرورة تباين كلي عرض لمعروضه فلا يتجه الحكم بكون بعض الوسائط مباينا في الصدق دون البعض وإن جعله الواسطة فيه العرضيات والمشتقات المحمولة على المعروضات لم يتحقق هناك متباينة بالنسبة إلى شيء منها ضرورة صحة حملها على الذات من غير فرق في ذلك بين خصوصيات الأعراض فيما ادعي من الفرق بين الفساد وليس السطح بالنسبة إلى الجسم إلا كالتناهي والسواد وغيرهما من الأعراض من غير تعقل فرق في المقام فكما لا يعد توسط التعجب في عروض الضحك للإنسان من التوسط المباين وكذا الحال في توسط السطح في عروض اللون فإن قلت إن ما حكم فيه بكون الواسطة غير مباينة من المثال المذكور هو توسط المتعجب في عروض الضاحك وهو كذلك ضرورة صدق التعجب للإنسان قلت يجري الاعتبار المذكور بعينه في توسط السطح بأن يجعل المسطح واسطة في عروض الأبيض مثلا فالفرق الحاصل في المقام إنما هو باعتبار المبدإ أو المشتق وهذا يجري في كل من الأعراض فلا يصح الفرق بينهما في ذلك مضافا إلى أن ما ذكر في الجواب عن كون المسطح في المثال جار في التعجب أيضا إذ المتعجب على ما قرره هو ذات الإنسان إن أريد به المصداق وإن أريد به المفهوم فمن البين أن الضحك إنما يعرضه من جهة التعجب الحاصل منه في الخارج دون ذلك المفهوم حسبما قرره في عروض اللون بتوسط السطح غير أن الفرق بينهما أن ذلك واسطة في العروض وهذه في الثبوت على وجه ثم إن ما ذكرناه يجري بعينه بالنسبة إلى العارض بتوسط الجزء سواء كان الأعم أو مساويا في الكل فإن عروض إدراك الكليات للإنسان إن جعله بتوسط مبدأ الناطق فهو أمر مباين للإنسان ضرورة عدم صحة حمله عليه وإن أخذ المشتق واسطة فيه فإن أريد مصداقه فليس أمر وراء الإنسان فلا يتحقق واسطة في المقام وإن أريد به نفس المفهوم ففيه أن عروض الإدراك له في الخارج إنما هو بتوسط الصورة الخارجية المباينة في الوجود لمادته وقضية ذلك مباينته للكل أيضا لا بمجرد المفهوم الملحوظ على النحو المذكور حسب ما ذكرنا في الوسائط الخارجية فالتحقيق في المقام أن يقال إن ما يحمل على الماهيات من الذاتيات والعرضيات له اتحاد مع الماهية من جهة ومغايرة من جهة أخرى فالذاتيات في المركبات الخارجية والعرضيات في الصفات الخارجية مغايرة للكل والمعروض من وجه متحدة معه في وجه آخر وفي غيرها إنما يكون المغايرة في العقل إذ المفروض فيها انتفاء التركيب والعروض في الخارج ويدل على ما ذكرناه في المقامين حكمهم بقيام الصورة بالمادة وقيام العرض بموضوعه ومن البين استلزام ذلك تغاير الأمرين في الخارج ووضوح صحة حمل الأجزاء والعوارض على الماهية ومدار الحمل على الاتحاد في الوجودة فاللازم من ذلك هو ما قلناه من الاتحاد في وجه والتغاير في آخر فالذاتيات من حيث المغايرة مادة وصورة ومن حيث الاتحاد جنس وفصل والعرضيات من حيث التغاير عرض وموضوع ومن حيث الاتحاد عرضي وماهية مثلا فإن قلت إن المحمول في تلك المقامات إنما هو المشتقات دون مباديها والذات مأخوذة في المشتقات وهو المصحح للحمل إذ المفروض اتحاد الإنسان والذات التي يثبت لها النطق أو البياض مثلا وهي مغايرة للمبادي المفروضة مغايرة حقيقية لا اتحاد بينهما بوجه قلت مع أنه من المقرر أن الملحوظ في جهة المحمول هو المفهوم دون الذات يرد عليه أن المحمول حينئذ إنما يكون تلك الذات المأخوذة في المشتقات دون مباديها وتكون المبادي حينئذ قيودا مأخوذة في الذات فيتحد المحمول في جميع المشتقات بالذات وإن اختلف بحسب القيود واللواحق وهو واضح الفساد وإنه لا يفتقر الحال حينئذ بين حمل الذاتي والعرضي لما عرفت من اتحاد الذات المأخوذة فيها وأن الذاتية والشيئية ونحوهما من الأمور الخارجة عن حقائق الأشياء فكيف يقع فصولا للماهيات وإن قيدت بغيرها ومن هنا اختار جماعة من المحققين عدم اعتبار الذات في المشتقات المحمولة من الفصول والعرضيات وجعلوا الفرق بين العرض والعرضي بالاعتبار على نحو الفرق بين الفصل والصورة والمادة والجنس بيان ذلك أن المفهوم قد يؤخذ بشرط لا لا بأن لا ينضم إليه غيره بل بأن يتصور معناه بشرط أن يكون ذلك المعنى وحده بحيث يكون كل ما يقارنه زائدا عليه ويكون جزء لذلك المجتمع من الأمرين ولو على سبيل الاعتبار وقد يؤخذ لا بشرط بأن يتصور معناه بشرط أن يكون ذلك مع تجويز كونه وحده وكونه لا وحده بأن يقترن مع شيء آخر فيحمل إذن على المجموع وعلى نفسه فالمأخوذ مبدأ في الفصول والعرضيات هو الاعتبار الأول وهو بهذا الاعتبار يكون صورة وعرضا بحسب الخارج ولذا لا يصح الحمل في شيء منها والمأخوذ اشتقاقا إنما هو الوجه الأخير في الأمرين وهو المصحح للحمل في الجمع فيكون الاعتبار المذكور فصلا وعرضيا والفرق بين الذاتي والعرضي أن الأول مأخوذ مما هو داخل في الذات والثاني أنما هو مأخوذ عما هو خارج عنها فتلك المفاهيم المحمولة المتحدة مع الذات اتحادا ذاتيا في الذاتيات وعرضيات في العرضيات إذا تمهد ذلك تبين أن عروض شيء لشيء إما أن يكون بلا واسطة أو بواسطة لا تكون إلا محمولة فإنه إن صح حمل العارض على موضوعه من دون لحوق شيء آخر للموضوع وحمله عليه كان عارضا لذاته من دون حاجة إلى الواسطة وإن افتقر إلى لحوق شيء له فلا بد أن يكون ذلك الشيء من عوارض المحل إذ لولاه لم يعقل كون العارض له عارضا لذلك المحل سواء كان جوهرا أو عرضا