الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

145

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إفادته الوجوب من غير قرينة سواء قلنا بكونه للندب أو مشتركا بينه وبين الوجوب لفظيا أو معنويا لقضاء أصالة عدم الوجوب بنفيه فلا يتجه توعده بالعذاب ولو على سبيل الاحتمال وعن التاسع بأنه خروج عن ظاهر الآية فإن الظاهر دوران الأمر فيما يصيبهم بين الأمرين وهو لا يتم إلا في ترك الواجب لعدم قيام احتمال العذاب في ترك المندوب ولو بحكم الأصل حسبما عرفت وقد يجاب عنه أيضا بأن قضية التفسير المذكور أن يكون بعض الأوامر للوجوب نظرا إلى حمل أو في الآية على التقسيم فإما أن يكون حقيقة أو مجازا فيه والثاني خلاف الأصل فإن كان في الباقي للندب فإما أن يكون حقيقة فيلزم الاشتراك وهو مخالف للأصل أو مجاز وهو أيضا مخالف للأصل مع أنه غير مناف للمطلوب وأنت خبير بأنه إن أريد بذلك مع كون بعض الأوامر للندب للزوم الاشتراك أو المجاز فهو مخالف لما عليه القائلون بالوضع للوجوب وإن أراد عدم اندراج الأوامر الندبية في الآية فمن الظاهر أنه لا يختلف الحال في الأصل المذكور من جهة الاندراج فيها وعدمه مضافا إلى أن المذكور لا أصل له لتعدد المستعمل فيه في المقام على أن الأصل استناد إلى الأصل على فرض صحته خروج عن الاستناد إلى الآية وقد يجاب أيضا بأن الحمل على المعنى المذكور يقضي باستعمال المشترك في معنييه أعني لفظ الأمر في المعنيين المذكورين ولا يخفى ما فيه إذ اشتراك الصيغة لفظا بين المعنيين على فرض تسليم استفادته من الآية بناء على الوجه المذكور لا يستلزم أن يكون مادة الأمر مشتركا لفظيا على أنه لا يلزم أن يكون اشتراك الصيغة بينهما لفظيا إذ قد يكون معنويا وكذا القول بكون الصيغة حقيقة في أحد المعنيين مجازا في الآخر لا يقضي بناء على حمل الآية على الوجه المذكور باستعمال لفظ الأمر في المقام في حقيقته ومجازه وهو ظاهر وعن العاشر بما يأتي في كلام المصنف وعن الحادي عشر بأن الاحتمال المذكور كسابقه خلاف الظاهر جدا وعن الثاني عشر أن تعلق التهديد على مخالفة الأمر كالصريح بل صريح في كونه من أجل المخالفة كما في قولك فليحذر الذين يخالفون الأمر أن يهلكهم وعن الثالث عشر أنه لا داعي إلى إضمار الإعراض في المقام مع كونه مخالفا للأصل ولا إلى تضمين المخالفة بمفهوم الإعراض إذ يكفي في تعديته بعن حصول معنى الإعراض في الترك فإن ترك المأمور به عمدا من غير عذر في معنى الميل والإعراض عنه وبملاحظة ذلك يصح تعديته بعن من غير حاجة إلى إضمار لفظ آخر وأخذ مفهوم الإعراض في المخالفة ليكون حينئذ ظاهرا فيما ادعاه المورد ولذا عبر المصنف رحمه الله عن ذلك بقوله فكأنه ضمن معنى الإعراض وعن الرابع عشر أنه لا داعي إلى الحمل عليه مع غاية بعده عن العبارة مضافا إلى إفادته للمطلوب أيضا إذ لا وجه لوجوب الحذر عنهم سوى كونهم من أهل الفسوق والعصيان لوضوح أن مخالفة الأمر الندبي لا يقضي بذلك سيما مع عود الضمير في أن تصيبهم إلى الذين كما هو الظاهر وعن الخامس عشر أن العبرة في المقام بظاهر اللفظ وليس في الظاهر ما يفيد إرادة المعهود فظاهره الإطلاق ومع تسليم انصرافه إلى العهد فالتهديد إنما وقع على مجرد مخالفتهم للأمر وهو كاف في المقام إذ لا يصح ذلك من دون إفادة الوجوب من مطلق الأمر بقي الإيرادان الأخيران والظاهر ورودهما في المقام قوله حيث هدد سبحانه مخالف الأمر إلى آخره استفادة التهديد من الآية إما مبنية على كون الأمر في الآية للتهديد أو الإنذار المقارب له كما هو الظاهر من سياقها أو على كون الحكم بالحذر في شأنهم دليلا على حصول موجب العذاب وهو معنى الإنذار والتهديد والثاني هو الذي قرّره المصنف قوله إلا بتقدير كون الأمر للوجوب مبنى الاعتراض على أن فهم التهديد من الآية يتوقف على كون الأمر المذكور للوجوب بناء على أن وجوب الحذر دال على استحقاق العذاب المفيد للتهديد وأما استحباب الحذر أو الأمر به على سبيل الإرشاد ونحوه فلا دلالة فيه على استحقاق العذاب إذ قد يكون ناشئا عن احتمال العذاب فلا يفيد كون أوامره للوجوب كما هو المطلوب فالمقدمة الأولى المثبتة لتهديده تعالى مخالف الأمر من جهة وقوع المخالفة محل منع والحكم به يتوقف على كون الأمر المطلق للوجوب فيدور الاستدلال فظهر بما قررنا أن مبنى الاحتجاج بزعم المورد ليس على كون الأمر المذكور للتهديد وإلا توجه المنع إليه سيما مع البناء على كونه مجازا وإنما يبتنى على كون التهديد مستفادا من الكلام حسبما قررناه وهو الظاهر من كلام المجيب أيضا فيتوقف على كون الأمر للوجوب فالإيراد عليه بأن كون الأمر بالحذر للتهديد لا يتوقف على كونه للوجوب ضرورة كون التهديد إنشاء والإيجاب إنشاء آخر لا ربط لأحدهما بالآخر فمنع كون الأمر للوجوب ليس داخلا في شيء من المقدمات المأخوذة في الاستدلال ليس على ما ينبغي نعم يمكن الإيراد عليه بأن فهم التهديد في المقام ليس منحصرا في ذلك إذ يصح استفادته من المقام فإن المقام مقام التنذير والتهديد ولا يبعد حمل الأمر فيه على الإنذار وبيان كون المخالفة باعثة على استحقاق العقوبة أو إصابة الفتنة كما في قولك فليحذر الشاتم للأمير أن يضربه وقد يحمل على التهكم أو التعجيز فيفيد التهديد أيضا قوله إذ لا معنى لندب الحذر عن العذاب أو إباحته إذ لو كان هناك استحقاق للعذاب كان الحذر واجبا وإلا كان لغوا وسفها لا يقع الأمر به من الحكيم ففي المادة دلالة على كون الهيئة هنا لإفادة الوجوب وإن لم نقل بوضعها له وأورد عليه بأنه إنما يتم بالنسبة إلى العذاب المحقق وقوعه أو عدمه وأما بالنسبة إلى المحتمل فلا بل قد وقع مثله في الشرع كثيرا مثل ندب ترك الطهارة بالماء الشمس للحذر عن البرص وندب فرق الشعر للحذر عن احتمال الفرق بمنشار النار ويدفعه أن قيام احتمال المقتضي للعذاب غير كاف في ذلك فإنه إن ثبت هناك مقتضى العذاب فذاك وإلا قبح العذاب من الحكيم حسبما يأتي الإشارة إليه في كلام المورد إن شاء الله وإن كان ما ذكره محل كلام فمجرد الاحتمال في بادي الرأي غير كاف في المقام حتى يحسن الحذر من جهته لما عرفت من انتفائه بعد عدم ثبوت مقتضية قوله فلا أقل من دلالته على حسن الحذر إما لاشتراك الأقوال المذكورة في إفادة الجواز ولو بضميمة الأصل أو لأن غاية ما يحتمله ذلك إذ لا معنى لحرمة الحذر من العذاب بناء على احتمال كون الأمر المذكور تهديدا على حصول الحذر قوله يحسن عند قيام المقتضي للعذاب إن أراد أن حسن الحذر في الظاهر متوقف على العلم بحصول المقتضي بحسب الواقع فهو ممنوع إذ احتمال القيام كاف في المقام سواء أريد بالحذر المأمور به في الآية الاحتياط والتحرز عن الوقوع في المكروه أو مجرد الخوف عن إصابته وإن أراد توقفه على قيام المقتضي للعذاب ولو على سبيل الاحتمال فلا يفيد التقرير المذكور إلا قيام احتمال إرادة الوجوب فغاية ما يفيده الآية رجحان العمل بالمأمور به نظرا إلى احتمال كونه للوجوب وأقصى ما يستفاد من ذلك إن سلم