الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
146
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عدم كون الأمر حقيقة في خصوص الندب مجازا في غيره لعدم احتمال إرادة الوجوب حينئذ نظرا إلى حقيقة اللفظ ولا دلالة فيه إذن على دفع الاشتراك لفظيا أو معنويا ومن هنا ينقدح إيراد آخر على الاستدلال على فرض كون الأمر فيها للوجوب إذ قد يكون إيجاب الحذر من جهة قيام احتمال الوجوب واحتمال الوقوع في العذاب فأوجب الحذر دفعا لخوف الضرر فمحصل الآية عدم الأخذ بالأصل في المقام ولزوم الاحتياط وأين ذلك من دلالة الأمر بنفسه على الوجوب كما هو المدعى وقد يوجه كلامه بأن المراد قيام المقتضي للعذاب وإن كان مقتضيا لاحتمال العذاب للاكتفاء بذلك في الدلالة على الوجوب نظرا إلى انتفاء احتمال العذاب على تقدير عدم الوجوب لقبح الظلم عليه تعالى وقد يناقش فيه بأن أقصى ما يسلم في المقام انتفاء الاحتمال المذكور على فرض عدم كون الأمر موضوعا للوجوب أو لما يشمله وأما لو كان مشتركا بين الوجوب وغيره أو موضوعا للقدر المشترك فاحتمال العذاب قائم نظرا إلى احتمال إرادة الوجوب القاضي بترتب العذاب على الترك وقبح الظلم إنما يقضي بعدم إيقاع العذاب مع عدم إظهار المقتضي له أصلا والمفروض إبداؤه ولو على سبيل الاحتمال الدائر بينه وبين غيره فيكون احتمال العذاب على نحو احتمال الوجوب نعم لو قام دليل على انتفاء الوجوب بحسب الشرع قطعا مع عدم قيام دليل شرعي على الوجوب من جهة الشارع تم ذلك إلا أنه في محل المنع فإن قلت إن حمل الأمر المذكور على الندب أو الإباحة شاهد على عدم وجوب الفعل المتروك إذ لو كان واجبا لكان الحذر عما يترتب عليه من العذاب واجبا أيضا فعدم وجوبه كاشف عن عدم ترتيب العذاب عليه أصلا قلت لما كان الفعل المتروك غير متحقق الوجوب لم يجب الحذر عما يترتب عليه بمحض الاحتمال من غير علم ولا ظن به وغاية ما يلزم من ذلك عدم ترتب العذاب على ترك التحذر لعدم وجوبه لا على ترك المأمور به كما ادعي والحاصل أن مفاد الآية حسن الاحتياط في المقام ومن البين أن ذلك إنما يكون مع احتمال قيام المقتضي للعذاب إذ مع عدمه قطعا لا يكون من مورد الاحتياط وعدم وجود الاحتياط حينئذ لا يقضي بعدم رجحانه كما هو قضية الإيراد فتأمل قوله بل المراد حمله على ما يخالفه لا يخفى بعد الوجه المذكور جدا إذ لو صح حمل مخالفة الأمر على حمله على خلاف ما يراد منه فلا شك في عدم انصراف اللفظ إليه بحسب العرف بل الظاهر من ملاحظة الاستعمالات يومي إلى كونه غلطا ولو أمكن تصحيحه فهو في غاية البعد عن الظاهر فالإيراد المذكور في غاية الوهن والأولى أن يقرر الإيراد بوجه آخر وهو حمل المخالفة على مخالفته بحسب الاعتقاد بأن يعتقد خلاف ما أمر الله تعالى به فإن صدق مخالفة الأمر عليه ليس بتلك المكانة من البعد كما أنه يصدق أنه مخالفة الله تعالى فلا يفيد ما هو المدعى وما أجاب عن الوجه المذكور يقع جوابا عن ذلك أيضا ويمكن الجواب عنه أيضا بعد تسليم صدق المخالفة على ذلك عرفا أنه لا دليل على تقييده بذلك فغاية الأمر أن يعم ذلك والمخالفة في العمل فيصدق على كل منهما وذلك كاف في صحة الاحتجاج قوله ذمهم بمخالفتهم إذ ليس المقصود من الكلام المذكور الإخبار بعدم وقوع الركوع منهم فيكون الغرض بملاحظة المقام هو ذمهم على المخالفة وترك الانقياد والطاعة ولولا أنه للوجوب لم يتوجه الذم يرد على الاحتجاج بهذه الآية ما عرفته من الإيراد على الأدلة المتقدمة من عدم دلالتها على وضع الصيغة للوجوب إذ غاية ما يستفاد منها إفادتها للوجوب وهي أعم من وضعها له فلا منافاة فيها لما قررنا من ظهور الصيغة فيه من جهة ظهور مدلولها أعني الطلب في الطلب الحتمي حتى يتبين الإذن في الترك وقد يورد عليه أيضا تارة بأن أقصى ما تفيده كون الأمر الذي وقع الذم على مخالفته للوجوب فلا تدل على أن كل أمر للوجوب كذا يستفاد من الأحكام ويؤيده أن المأمور به بالأمر المفروض هو الصلاة ووجوبها من الضروريات الواضحة فكون الأمر المذكور إيجابيا معلوم من الخارج ويدفعه أن الذم إنما علق على مجرد المخالفة وترك المأمور به فلو كان موضوعا لغير الوجوب لم يصح ذمهم على مخالفة الصيغة المطلقة كما هو ظاهر الآية الشريفة وتارة بأنه قد يكون الذم من جهة إصرارهم على المخالفة فإن لفظة إذا تفيد العموم في العرف فيكون مفاد الآية الشريفة ذمهم على مخالفتهم للأمر كلما أمروا بالركوع فلعل في تلك الأوامر ما أريد به الوجوب فتكون المذمة من جهته أو من جهة إصرارهم على المخالفة وفيه بعد فرض تسليم دلالة إذا على العموم أنه غير مناف لصحة الاستدلال فإن المذمة الحاصلة إنما كانت على تركهم للمأمور به وإن تحقق منهم ذلك مرات عديدة نظرا إلى تعدد الأوامر المتعلقة بهم فإن تعدد صدور الأمر لا يكون قرينة على وجوبه واحتمال أن يكون في تلك الأوامر ما يراد منه الوجوب بواسطة القرينة مدفوع بظاهر الآية لتعلق الذم على مجرد المخالفة وإن كان المفروض في تلك المخالفة حصولها مكررة فلا يصح ذلك إلا مع كون الأمر للوجوب نظرا إلى عدم أخذ القرينة في ترتب المذمة وعدم مدخلية الإصرار والاستدامة على ترك المندوب في جواز الذم والمؤاخذة لعدم خروجه بذلك عن دائرة الندبية وقد يورد عليه أيضا بما مر من عدم دلالته على إفادة الوجوب بحسب اللغة كما هو المدعى فأقصى ما يفيده دلالته على الوجوب في الشرع كما هو مذهب السيد ومن وافقه ويدفعه ما عرفت من أصالة عدم النقل قوله بمنع كون الذم على ترك المأمور به ملخصه منع كون الذم المذكور على مجرد ترك المأمور به بل على الترك من جهة التكذيب وحيث كان هذا الوجه بعيدا عن ظاهر العبارة وكان مدار الاحتجاج على الظاهر أراد بيان شاهد مقرب للاحتمال المذكور حتى يخرج الكلام بملاحظته عن الظهور ليصح الجواب بالمنع فاستند في ذلك إلى ظاهر الآية الثانية وجعله بعض الأفاضل معارضة واستدلالا في مقابلة الاستدلال المذكورة قال والمراد بالمنع ليس ما هو المشهور في علم الآداب بل المعنى اللغوي وأنت خبير بما فيه لبعده جدا عن ظاهر التعبير المذكور فإن العبارة في غاية الظهور في منع المقدمة الأولى وبيان سند المنع وحمل المنع على المعنى اللغوي في غاية التعسف مضافا إلى أن المعارضة إقامة دليل يدل على خلاف مطلوب المستدل في مقابلة الدليل الذي أقامه من غير إبطاله لخصوص شيء من مقدمات ذلك الدليل ومن البين أن ما ذكر ليس من هذا القبيل لوضوح أن ما قرره لا يفيد عدم دلالة الأمر على الوجوب وإنما يفيد عدم دلالة هذه الآية المستدل بها على وضعها للوجوب ومحصله دفع المقدمة القائلة بوقوع الذم على مخالفة الأمر وليس ذلك إلا منعا متعارفا وبيان سند لذلك المنع ولا ربط له بالمعارضة بوجه ولو عد إبطال بعض مقدمات الدليل بإثبات خلاف معارضة في الاصطلاح نظرا إلى إقامة الدليل على خلاف ذلك