الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
140
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
حروفا مخصوصة فليس الوجوب في المقام متعلقا للإسناد ولا معنى تامّا ملحوظا بذاته ليكون قابلا للإسناد المذكور وجعلهم مدلول الأمر هو الطلب أو وجوب المأمور به على المخاطب بيان لما هو حاصل بالأمر على نحو ما يذكرونه في معاني الحروف إلا أن ذلك بالملاحظة المذكورة هو مدلوله بحسب الوضع حتى يكون الطلب أو الوجوب هو المعنى المدلول عليه بالصيغة استقلالا كما في قولك أطلب منك الفعل أو أوجبت عليك الفعل ونحوهما ليكون المعنى الحدثي مأخوذا معه شطرا أو شرطا ليكون مفاد الأمر معنيين مستقلين أو معنى واحد هو الطلب خاصة ويكون الآخر قيدا فيه إذ من الواضح بعد التأمل في مفادها بحسب العرف وملاحظة أوضاع مباديها خلافه فليس المعنى المستقل بالمفهومية في الأفعال إلا معانيها الحديثة المفهومية منها بملاحظة أوضاعها المادية وأما وضعها الهيئي فلا يفيد إلا معنى حرفيا حتى إن الزمان المفهوم منه إنما يؤخذ مرآتا لحال الغير وليس ملحوظا بذاته ولأجل ما ذكرنا دخل النقص في معاني الأفعال فالحال في وضع هيئة الأمر على نحو أوضاع الحروف فعلى ما اختاره المتأخرون من كون الوضع فيها عاما والموضوع له خاصّا يكون الحال هنا أيضا كذلك فمطلق الطلب أو الوجوب إنما أخذ مرآتا في الوضع وأما الموضوع له فهو جزئيات الطلب أو الوجوب ثم نقول إن الإسناد إلى فاعل ما من المعاني المأخوذة في أوضاع الأفعال بملاحظة الهيئات الطارية على موادها وذلك الإسناد قد يلحظ فيها على النحو الحاصل في سائر الإخبارات بأن يفيد انتساب الحدث المدلول عليه إلى غيره بحسب الواقع وقد يلحظ على سبيل الإنشاء بأن يعتبر في نسبة ذلك الحدث إلى ما أسند إليه ما يحصل معه تلك النسبة بمحض إسناده إليه فيقع الانتساب بينهما بمجرد الإسناد من غير أن يكون بيانا لنسبة حاصلة في الواقع نظير قولك ليت زيدا قائم فإنك قد أسندت القيام إلى زيد لا على أنه حال له في الواقع كما في زيد قائم بل على أن تلك الحال حالة متمنية له وإسناده إليه على سبيل التمني حاصل بنفس ذلك الإسناد وكذا الحال في مدلول الأمر فإنه يفيد إسناد مدلوله الحدثي إلى فاعله من حيث كونه مطلوبا مرادا حصوله منه حسبما عرفت فإرادة النسبة المذكورة في هذه المقامات مفيدة لحصولها موجدة لها بخلاف النسبة الحاصلة في الإخبارات فظهر بما قررناه أن الفرق بين الإنشاءات والإخبارات إنما هو بملاحظة النسبة والإسناد ومنه يتبين الجواب عن الإيراد الرابع وأنت إذا تأملت فيما قررناه عرفت أن مفاد قولهم أن الأمر للوجوب أو الإيجاب أمر واحد لا فارق بينهما بحسب الحقيقة فإن المقصود منه هو إفادة ما بيناه وذلك المفهوم لما أخذ واسطة في انتساب الحدث إلى فاعله ومرآتا لملاحظة حال ذلك المنسوب بالنظر إلى ما نسب إليه إن لوحظ بالنسبة إلى ذلك الحدث سمي وجوبا ويوصف معه الفعل بالوجوب وإن لوحظ بالنسبة إلى الأمرين من حيث صدوره منه ووقوعه بإيقاعه سمي إيجابا وتكليفا بمعناه الحدثي فيصح التعبير بكلا الوجهين من غير تكلف ولذا قد يعبرون عنه بالأول وقد يعبرون عنه بالثاني من غير بنائهم على اختلاف في ذلك وفسروا الوجوب بطلب الفعل مع المنع من الترك مع أنه تفسير للإيجاب في الحقيقة فما ذكره بعض المتأخرين من تغاير الأمرين بحسب الحقيقة وأن ما ذكر من اتحادهما بالذات واختلافهما بالاعتبار من جزافات الأشاعرة ليس على ما ينبغي والظاهر أن ما ذكره مبني على أخذ الوجوب بمعنى رجحان الفعل مع المنع من الترك وقد عرفت أن المراد به في المقام غير ذلك وربما يظهر تغايرهما حقيقة من المحقق في المعارج وغيره وبما ذكرنا يظهر الجواب عن الإيراد الخامس قوله وفاقا لجمهور الأصوليين وقد عزى ذلك إلى المحققين وعزاه في النهاية إلى أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين وفي الأحكام إلى الفقهاء وجماعة من المتكلمين والعضدي إلى الجمهور وحكى القول به عن كثير من العامة والخاصة منهم الشيخ والفاضلان والشهيدان وكثير من المتأخرين والشافعي في أحد النسبتين إليه وأبو الحسين البصري والحاجبي والعضدي والرازي والغزالي في أحد الحكايتين عنه وغيره قوله وقيل في الطلب وهو الجامع بين الوجوب والندب وقد يجعل أعم من الإرشاد أيضا حسبما يستفاد من الأحكام حيث جعل مفهوم الطلب شاملا للثلاثة وفرق بين الندب والإرشاد بأن الندب ما كان الرجحان فيه لأجل مصلحة أخروية والإرشاد ما كانت المصلحة فيه دنيوية إلا أنه لم ينقل فيه قولا بوضع الصيغة للأعم من الثلاثة وقد وافقه على الفرق المذكور غيره أيضا ولا يخلو ما ذكر عن تأمل والمعروف جعل الطلب قدرا مشتركا بين الوجوب والندب وذلك هو الأظهر إذ الظاهر أن المقصود من الإرشاد هو بيان المصطلحة المترتبة من دون حصول اقتضاء هناك على سبيل الحقيقة فهو إبراز للمصلحة المترتبة على الفعل بصورة الاقتضاء ألا ترى أنه قد يكون ما يأمره به على سبيل الإرشاد مبغوضا عنده ولا يريد حصوله أصلا كما إذا استشاره أحد في أحكام زيد وعمرو وهو يبغضها ويريد إهانتهما ومع ذلك إذا كان مصلحة المستشير في إكرام زيد مثلا يقول له أكرم زيدا مريدا بذلك إظهار المصلحة المترتبة عليه من غير أن يكون هناك اقتضاء منه للإكرام بل قد يصرح بأنه لا يجب إكرامه ويبغض الإتيان به وهذا بخلاف الندب لحصول الاقتضاء هناك قطعا إلا أنه غير بالغ إلى حد الحتم من غير فرق بين ما يكون المسبب فيه المصلحة الدنيوية أو الأخروية كما أنه لا فرق في الإرشاد بين ما إذا كان الغرض إبداء المصلحة الدنيويّة أو الأخروية كيف ولولا ما قلنا لم يكن ندب في أغلب الأوامر العرفية لعدم ابتنائها على المصالح الأخروية في الغالب ومع الغض عن جميع ما ذكر فقد يكون المصلحة الدنيوية المتفرعة على الفعل عائدة إلى غير المأمور وليس ذلك إذن من الإرشاد فلا يتم ما ذكر من الفرق إلا أن يخصص ما ذكر من التفصيل بالمصلحة العائدة إلى المأمور وهو كما ترى هذا وقد ذهب إلى وضع الأمر بإزاء الطلب جماعة من أصحابنا منهم السيد العميدي وجماعة من العامة منهم الجويني والخطيب القزويني وبعض الحنفية على ما حكي عنهم وهو المختار كما يتبين الوجه فيه إن شاء الله إلا أن الأوامر مطلقا محمولة على الوجوب لانصراف مطلق الطلب عليه عرفا إلا أن يقوم دليل على الإذن في الترك وكأنه لانصراف المطلق إلى الكامل واختاره صاحب الوافية أيضا إلا أنه ذهب إلى حمل الأوامر الشرعية كتابا وسنة على الوجوب لا لدلالة الصيغة بل لقيام قرائن عامة شرعا عليه وإليه ذهب العلامة في النهاية بحسب وضع اللغة وجعلها موضوعة