الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

141

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في الشرع لخصوص الوجوب قوله وذهب السيد المرتضى إلى أنها مشتركة بين الوجوب والندب وقد تبعه فيما فصله السيد بن زهرة وقد ذهب إلى اشتراكه لفظا بين المعنيين جماعة وهم لم يفصلوا بين اللغة والشرع قوله وتوقف في ذلك قوم فلم يدروا أنها للوجوب أو الندب وقد حكى بعض عن الأشعري والقاضي أبي بكر وبنى عليه الآمدي في الأحكام وحكاه عن الأشعري ومن تابعه كالقاضي أبي بكر والغزالي إلا أن ظاهر كلامه بملاحظة سابقه هو التوقف بين الوجوب والإرشاد وربما يعزى إلى جماعة التوقف بين كونها للوجوب أو الندب أولهما اشتراكا لفظيا أو للقدر الجامع بينهما ليكون مشتركا معنويا وعن البعض التوقف بين الأخيرين وعن بعض آخر التوقف بين الأحكام الخمسة فهي موضوعة لواحد من الأحكام لا نعلمه قوله وقيل إنها مشتركة بين ثلاثة أشياء قد حكي ذلك عن جماعة قوله وزعم قوم إلى آخره قد حكاه الحاجبي والعضدي عن الشيعة ولا أصل له إذ هو غير معروف بينهم ولا منسوب إلى أحد من فضلائهم فهو فرية عليهم أو كان مذهبا لبعض الشيعة من سائر فرقهم ممن لا يعتد بقوله عندهم وقد عزى الآمدي في الأحكام إلى الشيعة الاشتراك بين الوجوب والندب والإرشاد وهو أيضا غير معروف بين الأصحاب وقيل فيه أشياء أخر منها القول بأنها للإباحة خاصة حكاه في الأحكام ومنها القول بالاشتراك اللفظي بين الأحكام الخمسة ومنها القول بالاشتراك بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد والتعجيز والتكوين ومنها القول بالاشتراك بين الطلب والتهديد والتعجيز والإباحة إلى غير ذلك مما يقف عليه التتبع في كلماتهم ولا جدوى في التعرض لها لندورها ووضوح فسادها وظاهر ما حكي من الاتفاق يدفعها قوله لنا إنا نقطع أن السيد إلى آخره هذه عمدة أدلة القائلين بوضعها للوجوب وهو استناد إلى التبادر وتقريره أن السيد إذا قال لعبده مع خلو المقام عن القرائن افعل فلم يفعل عد عاصيا وذمه العقلاء على ترك الفعل وهو معنى الوجوب وقد يورد عليه بوجوه منها أنه لو تبادر منه الوجوب لزم انتقال الذهن من الأمر إلى المنع من الترك وليس كذلك إذ قد لا يخطر الترك بالبال فضلا عن المنع عنه ويدفعه أن الوجوب معنى بسيط إجمالي يؤخذ فيه المنع من الترك عند التحليل العقلي فلا يلزم حينئذ تصور المنع من الترك عند تصور الوجوب إجمالا وذلك ظاهر من ملاحظة سائر المفاهيم الإجمالية المنحلة عند التفصيل إلى مفاهيم عديدة مضافا إلى أن المنع من الترك ليس جزءا من مفهوم الوجوب ولو عند التحليل بل هو من لوازمه حسبما يأتي الإشارة إليه ومنها المنع من خلو المقام الذي يفهم منه ذلك عن القرينة إذ الغالب في العرف قيام القرائن الحالية أو المقالية على ذلك وقد أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله لا يقال إلى آخره ويأتي الكلام في الجواب عنه ومنها أن الفهم المذكور قد يكون من جهة إيجاب الشرع طاعة السيد على العبد وإلزامه بامتثال أوامره أو من جهة قضاء العرف به ففرض وقوع الأمر من السيد بالنسبة إلى عبده قاض بذلك بملاحظة حكم الشرع أو العرف وأين ذلك من دلالة الصيغة بنفسها عليه ووهنه ظاهر فإن الشرع أو العرف إنما أوجب على العبد الإتيان بما أوجبه مولاه لا غير ذلك وإيجابه في المقام فرع دلالة الأمر ومنها أن العصيان بمعنى مخالفة الأمر لا يثبت كونه محرما إلا بعد دلالة الأمر على الوجوب ضرورة انتفاء الإثم فيها مع عدمها وأنه قد يقع الذم على ترك بعض المندوبات وارتكاب بعض المكروهات فلا اختصاص له بمخالفة المحرمة فلا يلزم من عده عاصيا وترتب الذم على تركه وجوب الفعل عليه وتحريم تركه وفيه أن العصيان لا يطلق عرفا إلا على فعل الحرام أو ترك الواجب وليس مخالفة مطلق الأمر عصيانا بل لا يطلق إلا على مخالفة الأمر الإيجابي فإذا عد مخالفة الأمر المطلق عصيانا كان مفيدا للإيجاب وأن الذم لا يتعلق بالمكلف من جهة ترك ما هو مندوب عند الذم وإنما يتعلق بترك الأمر اللازم أو بفعل المحرم وربما يرد على ترك المندوب لوم ولا يعد ذمّا ولذا عرفوا الواجب بما يلزم تاركه وورود الذم عرفا على ترك بعض المندوبات فإنما هو من جهة لزوم الإتيان به في العرف وعدم ارتضائهم بالإهمال فيه وإن جاز تركه بحسب الشرع ومنها أنه معارض بالصيغة المجردة عن القرينة الصادرة من مجهول الحال ممن لا يعلم وجوب طاعته بحسب الشرع أو العرف وعدمه فإن المأمور لا يعد عاصيا ولا يتعلق به ذم ولو كان حقيقة في الوجوب لزم ترتب الذم عليه وقد يجاب عنه بأن دلالة اللفظ لا يستلزم مطابقة مدلوله للواقع فغاية الأمر دلالة اللفظ عليه في المقام وهو لا يستلزم وجوبه ليتفرع عليه استحقاق الذم نعم لو علم وجوب طاعة الأمر من الخارج دل ذلك على مطابقة المدلول لما هو الواقع وترتب الذم على مخالفته ولذا فرضوا الكلام في المقام في أمر السيد لعبده وفيه أن ما ذكر إنما يتم في الإخبار وأما الإنشاء فإنما هو إيجاد لمدلوله في الخارج فلا يصح فيه ما ذكروه والحق في الجواب أنك قد عرفت أن ما وضع له الأمر هو الطلب الحتمي الذي لا يرضى الطالب معه بترك المطلوب ومن لوازمه كون الفعل بحيث يذم تاركه أو يعاقب عليه إذا صدر ممن يجب طاعته والمعنى المذكور حاصل في المقام وإنما لم يترتب عليه الذم من جهة الشك في وجوب الطاعة وإنما فرضوا في الاحتجاج صدور الأمر ممن يجب طاعته ليعلم من وجود اللازم المذكور الدال على حمل الصيغة على الطلب بالمعنى المفروض كونها حقيقة في ذلك ومنها أن غاية ما يفيده دلالة الصيغة الصادرة من العالي على الوجوب وأين ذلك من دلالة الصيغة عليه مطلقا كما هو ظاهر العنوان ويدفعه بناء على تعميم العنوان أنه إذا ثبت كون الصيغة حقيقة في الوجوب في الصورة المفروضة ثبت ذلك في غيرها أيضا بأصالة عدم تعدد الأوضاع أو من جهة ظهور عدم اختلاف معنى اللفظ باختلاف المتكلمين كما يظهر من استقراء سائر الألفاظ ومنها أن التبادر المذكور بعينه حاصل في لفظ الطلب وما بمعناه كما إذا قال العبد أطلب منك شراء اللحم أو أريد منك ذلك مع أنه لا كلام في كون الطلب أعم من الوجوب والندب فلو كان التبادر المذكور دليلا على الوضع للوجوب بالخصوص لجرى في ذلك مع أن من المعلوم خلافه والقول بأن قضية التبادر أن يكون الوجوب موضوعا له في المقامين إلا أنا خرجنا من ذلك فيما ذكر نظرا إلى قيام الدليل على وضعه للأعم فيبقى غيره تحت الأصل مدفوع بأن كون الأصل في التبادر مطلقا أن يكون دليلا على الوضع مما لا دليل عليه وإنما الدليل على الوضع هو التبادر المستند إلى نفس اللفظ فلا يصح الاستناد إلى التبادر في ثبوت الوضع إلا بعد ثبوت كون التبادر المفروض من ذلك القبيل علما أو ظنا وأما مع حصول الشك فلا وجه لدعوى الأصل فيه ولا أقل في المقام من الشك بعد ملاحظة ما قررناه فلا يتم الاستناد إليه ومنها أن التبادر إنما يكون دليلا على الوضع إذا كان الانصراف مستندا إلى نفس اللفظ دون ما إذا استند إلى أمر آخر