الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

137

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

يخالف ذلك وقد يحمل ذلك على إرادة توقف دلالة اللفظ على معناه على كونه مرادا ولو بالنظر إلى ظاهر الإطلاق من جهة قضاء الأصل إذن بإرادته فلو قام هناك قرينة على عدم الإرادة لم يكن دالا عليه بل على ما دلت القرينة على إرادته وهو أيضا كما ترى إذ لا قصور حينئذ في دلالة اللفظ على نفس المعنى لوضوح الاكتفاء في حصولها بالوضع والعلم به وإنما تمنع القرينة من دلالته على إرادة ذلك المعنى ومع الغض عن ذلك فهو لا يوافق ما احتجوا به على ذلك في المقام من انتفاء المائز بين الصيغة إذا كانت طلبا أو تهديدا إلا الإرادة بل لا يوافق الاحتجاج المذكور ظاهر ما عنون به الدعوى فإن الإرادة المذكورة في الاحتجاج إنما يراد بها إرادة المطلق كما هو الظاهر والإرادة المأخوذة في العنوان إنما هي إرادة الطلب هذا وقد ذكر في المقام نزاع آخر وهو أن الأمر بم يصير أمرا وقد ذكروا هناك أقوالا عديدة منها ما حكي عن السّيد المرتضى رحمه الله من أنه يصير أمرا بالإرادة وعزى ذلك إلى محققي المعتزلة واختاره المحقق في المعارج ومنها ما حكي عن الأشاعرة من أنها تكون أمرا بالوضع من غير اشتراط بالإرادة فإن أريد بذلك توقف كونه أمرا على إرادة الطلب فلا يكون أمرا بدونها فهو من الأمور الظاهرة ولا مجال لإنكاره ولا يظن أن أحدا يخالف فيه كما هو الشأن في سائر الألفاظ لكون الإرادة هي المخصّصة لها بمعانيها حقيقية كانت أو مجازية وإن كان الوضع كافيا في حملها على معانيها الحقيقية والحكم بإرادتها من غير حاجة إلى قيام دليل آخر عليها فيعود النزاع إذن لفظيّا حملا لكلام الأشاعرة على الاكتفاء في ذلك بظاهر الوضع وإن أريد توقفه على إرادة المطلوب بمعنى أن الصيغة إنما تكون أمرا إذا أريد بها من الأمور إيقاع الفعل دون ما إذا لم يرد ذلك وكان المقصود به الإشارة إلى الخلاف الواقع في اعتبار إرادة المطلوب حسبما عرفت من زعم الأشاعرة عدم الحاجة عليها في تحقق الأمر وبنائهم على المغايرة بين الطلب والإرادة وأما غيرهم فبنوا على اتحاد الأمرين وحينئذ فلا يمكن تحقق الأمر من دون حصولها فمرجع هذا البحث إذن إلى البحث المتقدم واحتج في المعارج وغيره بأن الصيغة ترد أمرا كقوله أقيموا الصلاة وغير أمر كقوله اعملوا ما شئتم ولا مخصص إلا الإرادة فإن أراد به توقف كونه للطلب على إرادة المطلوب إذ لا مخصص له بذلك إلا الإرادة المذكورة فيكون الغرض دفع ما ذهب إليه الأشاعرة من الاختلاف بين الأمرين وإمكان مفارقة الطلب عن الإرادة فلا حاجة إليها في صدق الأمر ففيه أن من البين أن إرادة الطلب كافية عندهم في تخصيصه بالطلب عن غير حاجة إلى إرادة المطلوب وإن أراد به توقف كونه للطلب على إرادته إذ لا مخصص له سواها كما هو الظاهر من كلامه فقد عرفت أنه مما لا كلام فيه وكيف كان فالظاهر أن النزاع المذكور إما لفظي أو أنه يعود إلى النزاع المتقدم فإن اختلفا في ظاهر العنوان فعدهما بحثين وإطالة الكلام في المقام كما في النهاية ليس على ما ينبغي المقام الثالث في أن لفظ الأمر هل يفيد الوجوب وضعا أو لا وقد اختلفوا في حده فيعم ما إذا كان الطلب على سبيل الحتم والإلزام أو على سبيل الندب سواء كان صادرا من العالي أو المستعلي أو هما معا ويدل عليه أنه لا فارق عرفا من الجهة المذكورة بين الأمر ومطلق الطلب الصادر من العالي أو المستعلي مع أن لفظ الطلب حقيقة في المعنى الأعم اتفاقا على ما يظهر منهم فكذا ما بمنزلته بل لو غض عن ذلك وادعى تبادره عرفا في مطلق الطلب كان في محله كما لا يخفى على المتأمل ويومي إليه تعميم الالتماس والدعاء لما كان الطلب الواقع من المساوي أو الذاتي على سبيل الحتم أو غيره كما هو ظاهر من ملاحظة العرف فالظاهر كون الأمر أيضا كذلك مضافا إلى أنهم لم يعتبروا في حده ما يفيد الإلزام وإنما أخذوا فيه طلب الفعل واقتضائه أو استدعائه أو ما يفيد مفاد ذلك الشامل لصورة الإلزام وخلافه وليس ذلك إلا لانصرافه إلى ذلك بحسب فهم العرف وأخذ الاستعلاء في جملة حدوده لا يدل على كون الطلب على سبيل الحتم لوضوح أن الطلب الحتمي كما قد يكون مع الاستعلاء وقد يكون مع عدمه كذلك الطلب الندبي يكون على الوجهين فإن اقتضاء الشيء مع الإذن في تركه لا ينافي استعلاء المتكلم أصلا بل ظاهر قوله أذنت لك في تركه يفيد الاستعلاء كما أن قولك ندبت عليك هذا الفعل ظاهر فيه والحاصل أن الاستعلاء مما يتبع اعتبار المتكلم سواء كان ذلك في مورد التكليف أو غيره فلو قال أبحت لك هذا الفعل أفاد الاستعلاء بل قد يحصل الاستعلاء في الإخبارات أيضا نظرا إلى ملاحظة الخصوصيات الملحوظة في المخاطبات وخصوصيات بعض الألفاظ مما يقع بها الخطاب بل قد يكون الاستعلاء مستفادا من الأفعال وملاحظة الأحوال فما في كلام بعض الأعلام من جعل الاستعلاء مستلزما للإلزام المنافي للندب كما ترى وما أورده على القائل بعدم إفادته لفظ الأمر الوجوب بأنه إما أن يقول بأن الأمر هو الطلب من العالي لا من حيث إنه مستعمل وقد عرفت بطلانه أو يأخذ الاستعلاء في مفهوم الندب ويجعله أعم من الندب وستعرف بطلانه غير وارد عليه لما عرفت من انتفاء المنافاة بين الأمرين وما ذكر في وجهه بعد ذلك من أن طلب الشيء على سبيل الندب هداية وإرشاد ولا يلزم فيه اعتبار الاستعلاء غير متجه فإن عدم لزوم اعتبار الاستعلاء لا يستلزم عدم حصوله فأي مانع إذن من اختصاص لفظ الأمر بصورة حصوله كما أن الطلب المعنى لا يستلزم الاستعلاء ضرورة حصوله أيضا في الالتماس والدعاء مع اختصاص صدق الأمر عليه إذا صدر من غير العالي بما إذا كان حصوله على سبيل الاستعلاء على أن القائل بعدم دلالته على الوجوب لا يلزمه القول بكون الأمر هو الطلب الصادر من العالي لا من حيث إنه مستعمل بل لو جعل مفاده هو الطلب من العالي سواء كان مستعليا أو لا صح ما ذكره وإن قلنا باستلزام الاستعلاء للإلزام فعدم أخذه من غير حاجة إلى اعتبار خلافه حسبما ألزمه به في ظاهر كلامه وإن أمكن توجيهه بحمله على عدم أخذ الاستعلاء فيه سواء اتفق حصوله أو لا إلا أنه بعيد عن العبارة كما لا يخفى مضافا إلى أنك قد عرفت اكتفاء أحد الأمرين فيه من العلو والاستعلاء حسبما قررنا وعليه فالكلام المذكور ساقط من أصله فظهر بما ذكرنا أن من اعتبر الاستعلاء في مفهوم الأمر لا يلزمه القول بدلالته على الوجوب وكذا تبادر علو الآمر واستعلائه إلى لفظ الأمر إن سلم لا دلالة فيه على اعتبار الإلزام وكذا ظهوره عرفا في الطلب الحتمي لا يفيد ذلك فإنه كظهور مطلق الطلب فيه من باب انصراف المطلق إلى الفرد الكامل كما سنشير إليه إن شاء الله وقد يحتج لوضعه للمعنى الأعم تارة بتقسيم الأمر إلى ما يكون على سبيل الوجوب وما يكون على سبيل الندب وظاهر التقسيم أن يكون المقسم حقيقة في الأعم وفيه ما عرفت من عدم وضوح دلالة التقسيم على ذلك على أنه قد يحصل الانقسام في المقام بالنسبة إلى سائر مستعملات الأمر أيضا نعم قد يرجع الأمر في ذلك إلى التبادر بأن يدعى