الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

138

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

تبادر المدعى القابل للقسمة المذكورة منه بحسب العرف فيئول إلى ما ذكرنا وأخرى بأن فعل المندوب طاعة والطاعة الحاصلة بالفعل هو فعل المأمور به وقد يمنع من كلية الكبرى إذ قد يكون الطاعة بفعل المأمور به وقد تكون بفعل المندوب وقد يذب عنه بأن المفهوم من الطاعة عرفا هو موافقة الأمر فلا يتجه المنع بعد فهم العرف لكن الدعوى المذكورة محل خفاء وإن لم يخل عن ظهورها بل ادعى بعضهم الاتفاق عليه ففيه أيضا تأييد لما قلناه احتج القائل بكونه حقيقة في الوجوب بالتبادر بالآيتين الآتيتين وقوله لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسّواك مع وضوح طلبه له على سبيل الندب ويدفع الأول أن المتبادر من مادة الأمر وصيغتها ليس إلا طلب الفعل والطلب ظاهر في الوجوب ولذا ترى التبادر الحاصل فيهما حاصلا في قولك أطلب منك الفعل وأريد منك الفعل ونحوهما مما يفيد مفادهما من غير تفاوت أصلا مع ظهور كون الطلب وما بمعناه موضوعا للأعم وليس ذلك إلا لظهور المعنى المذكور في الطلب الحتمي لكونه أظهر أفراده عند الإطلاق ويشير إليه أيضا أن المتبادر من الإطلاق هو الوجوب النفسي العيني التعييني كما سيجيء الإشارة إليه مع أن ظاهر الجمهور عدم وضع الأمر له بخصوصه فيكون التبادر المذكور إطلاقيا عندهم أيضا فيهون الأمر في دعوى كونه إطلاقيا بالنسبة إلى الوجوب أيضا فلا دلالة في التبادر المفروض على الحقيقة ولذا لا يقال بكون الطلب والإرادة حقيقة في خصوص الحتميين فالدليل المذكور مدفوع أولا بالنقض ثم بالحل ومما ذكرنا ظهر الجواب عن الآيتين والرواية وما يفيد مفادهما إذ لا كلام لنا في انصراف الإطلاق إلى الوجوب إنما الكلام في استناده إلى الوضع ولا دلالة فيها عليه قوله صيغة وما في معناها أراد بما في معناها سائر صيغ الأمر الحاضر نحو تفعّل وتفاعل وصيغ الأمر الغائب نحو ليفعل وليفاعل أو أراد به أسماء الأفعال نحو صه وحيهل أو الأعم منهما وقد يعين حمله على الوجه الثاني ما حكي عن النحاة من أن افعل علم جنس لكل صيغة يطلب بها الفعل كما أن فعل ويفعل علمان لكل ماض ومضارع مبني للمفعول ويبعده أنه إن ثبت الاصطلاح المذكور في عرف علماء الصرف وسائر علماء العربية وثبوته في عرف علماء الأصول غير معلوم بل الظاهر خلافه وليس من الاصطلاحات الشائعة الدائرة بين سائر الناس من أهل ذلك الاصطلاح كلفظ الفاعل والمفعول ليستظهر الحمل عليه فحمل العبارة على ذلك مما لا شاهد عليه ثم على فرض ثبوت الاصطلاح المذكور فشموله لصيغ الأمر الغائب محل تأمل أيضا هذا واعلم أن صيغة الأمر قد استعمل في معاني عديدة كالوجوب والندب والطلب الجامع بينهما والإباحة والإذن والإرشاد والالتماس والدعاء والتمني والترجي والخبر والتهديد والإنذار والاحتقار والإهانة والإكرام والتعجيز والتسخير والتكوين والتسلية والامتنان والانقطاع الأمل والتحزن والتحكم وغيرها وليست حقيقة في جميع ذلك اتفاقا إذ كثير من المعاني المذكورة إنما يفهم من جهة انضمام القرائن وملاحظة المقامات وفي النهاية بعد ما ذكر معاني خمسة عشر للصيغة أنها ليست حقيقة في جميع ذلك بالإجماع بل النزاع وقع في أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم وفي الأحكام قد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والإباحة وأراد بالطلب ما يعم الجامع بين الوجوب والندب والإرشاد أو بعضها وقد اتفقوا أيضا على كونها حقيقة في الجملة حكاه في المعارج ثم إن الخروج عن مقتضى الوضع في عدة من المعاني المذكورة بالنسبة إلى ملاحظة وضعها باعتبار الهيئة كما في الإباحة والإذن والتمني والترجي ونحوها وفي عدة منها بالنسبة إلى ملاحظة وضع الهيئة والمادة معا بل في معناها التركيبي الإنشائي كما في التهديد والإنذار والتهكم ونحوها فإن مفاد تلك الجمل الإنشائية هو إنشاء طلب الفعل من المأمور وقد استعملت في إنشاء ما يتبعه ويلزمه بحسب المقام فأريد من تلك الجمل إحضار صورة الطلب بملاحظة وضع المادة والهيئة لينتقل منه بملاحظة المقام إلى ما يتبعه من التهديد والإنذار وغيرهما فتلك التوابع هي المرادة من تلك الجمل الإنشائية وقد جعل معناها الموضوع له واسطة في إفهامها كما هو الحال في سائر المجازات المركبة قوله حقيقة في الوجوب قد يورد في المقام أمور منها أن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في تمام ما وضع له وليس الوجوب إلا بعض مفاد صيغة الأمر لدلالتها على الوجوب مثلا والحدث الذي يتصف بذلك الوجوب فكيف يقال بكونها حقيقة في الوجوب الذي هو جزء معناها ولو أجيب بأن المراد من الصيغة هو خصوص الهيئة وليس معناه الحدثي مستندا إلى وضعها الهيئي فيكون الوجوب تمام الموضوع له بذلك الوضع ففيه أولا أن الهيئة بنفسها لا وضع لها وإنما هي مرآة وآلة لوضع الألفاظ المعروضة لها فهي موضوعة بإزاء معناها المادي والهيئي بوضع واحد وثانيا أن معناها الهيئي أيضا ليس مجرد الوجوب لأخذ الزمان والإسناد إلى فاعل ما في معنى الأفعال إذ ليس دلالتها على ذلك إلا من جهة وضعها الهيئي فهو بتلك الملاحظة أيضا بعض من مدلولها ومنها أن الوجوب بمعنى كون الفعل مما يترتب على تركه استحقاق الذم أو العقاب كما هو المعنى المصطلح من الأمور العقلية أو الشرعية التابعة لملاحظة حال الأمر مع المأمور في وجوب طاعته واستحقاق الذم أو العقاب على مخالفته فهو من اللواحق الطارية على الفعل المأمور به في بعض الأحوال وأين ذلك من وضع الصيغة له بحسب اللغة ومنها أن صيغة الأمر من جملة الأفعال المستندة إلى فاعليها فكيف يصح جعل الوجوب مدلولا لها مع أنها من حيث الصّدور من لواحق الأمر ومن حيث القيام من لواحق الفعل المأمور به عن المادة المتعلقة لهيئة الأمر وليس من لواحق المأمور الذي هو الفاعل لتلك الصيغة ليصح إسنادها إليه والحاصل أنه إن أخذ الوجوب مدلولا لصيغة الأمر فإن فسر بطلب الفعل على سبيل المنع من الترك كان مسندا إلى الأمر فينبغي أن يسند الفعل إلى المتكلم دون المخاطب أو الغائب وإن فسر بالصّيغة القائمة بالفعل فهو من لواحق الحدث الذي أخذ مبدأ للأمر فلا وجه لإسناده إلى المخاطب أو غيره ومنها أن الأمر من جملة الإنشاءات الغير المحتملة للصدق والكذب فلو كان مدلولها بحسب الوضع هو وجوب الفعل على المأمور كان محتملا للصدق والكذب لإمكان مطابقة المدلول المفروض للواقع وعدمها وبالجملة المعنى المذكور من المعاني الخبرية