الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

136

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

للإرادة غاية الأمر أن ينضم إليها فلا فائدة في الجواب المذكور لدفع الاحتجاج وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله وعلى الثالث أن الأوامر الامتحانية إنما هي في صورة الأمر وليست بأوامر على الحقيقية وكما أن الإرادة هناك منتفية فكذا الطلب وكما لا يريد العاقل ما هو مبغوض عنده فكذا لا يطلبه وفيه كلام يأتي الإشارة إليه إن شاء الله وعلى الرابع المنع من جواز النسخ قبل حضور وقت العمل بل المختار امتناعه كذا ذكروه وفيه أيضا تأمل كما يظهر الوجه في محله إن شاء الله وسنشير إليه أيضا في المقام إن شاء الله هذا والذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال إن هناك إرادة لصدور الفعل من الغير بحسب الواقع واقتضاء بحسب الخارج لإيقاعه الفعل بإلزامه به أو ندبه إليه ومن البين أن الثاني لا يستلزم الأول وإن كان الظاهر صدور الاقتضاء على طبق الإرادة الواقعية لظهور إلزام المأمور بالفعل مثلا في كون ذلك الفعل محبوبا للآمر مرادا له بحسب الواقع إلا أنه مع العلم بالتخلف لا يخرج الاقتضاء عن حقيقته فنقول إن ظاهر ما حكي عن الأصحاب والمعتزلة من كون الطلب عين الإرادة هو الأمر يوضع الأمر لخصوص المعنى الأول فمعناه الموضوع له هو إرادة إيقاع المأمور من المأمور بحسب الواقع وهذا هو الذي يستفاد منه بحسب وضع اللغة فإذا أريد به ذلك كان حقيقة مستعملا فيما وضع له وإن لم يرد ذلك فقد استعمل في غير ما وضع له ويشهد بذلك ما حكي عنهم في الاحتجاج فإنه ظاهر الانطباق على ما ذكر وأنت خبير بأن المعنى المذكور ليس معنى إنشائيا حاصلا بالصيغة حتى يندرج من جهة الأمر في الإنشاء لظهور كون ذلك أمرا قلبيا واقعيا حاصلا قبل أداء الصيغة وإنما يحصل منها بيان ذلك وإظهاره كما في سائر الإخبارات وذلك مما يكون قابلا للصدق والكذب لظهور أن إرادة الواقع بالدلالة اللفظية كان كذبا كيف ومع البناء على ما ذكر أي فرق بين إظهار تلك الإرادة بصيغة الأمر أو بصيغة الإخبار كأن يقول أنا مريد منك كذا وأنا طالب ذلك منك ونحو ذلك ومن الواضح المتفق عليه الفرق بين التعبيرين وقبول الثاني للصدق والكذب بخلاف الأول والحاصل أن الإرادة أمر نفساني حاصل بتوسط الدواعي الباعثة عليه فلا يعقل إيقاعها بصيغة الأمر ليمكن القول بوضع تلك الصيغ لذلك وهذا بخلاف ما لو قيل بوضعها للمعنى الثاني لظهور حصول ذلك الاقتضاء في الخارج بإيقاع تلك الصيغ مريدا بها معناها فيقع مدلولها بإيقاع الصيغة في الخارج على ما هو الشأن في سائر الإنشاءات ويمكن توجيه كلامهم بحمله على إرادة الوجه الثاني لكن مع تقييده بكون ذلك الاقتضاء على وفق الإرادة الواقعية والمحبة النفسية فيكون ذلك قيدا فيما وضع له ولا يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له إلا مع كون الاقتضاء المذكور عن الإرادة الموصوفة فالأمر الخالي عن ذلك ليس أمرا على الحقيقة وهذا الوجه وإن أمكن القول به في المقام وربما يشهد له التبادر حيث إن المتبادر من الصيغة هو كون الاقتضاء من الإرادة القلبية لكن تطبيق كلامهم على ذلك لا يخلو عن بعد سيما بملاحظة الاحتجاج الأول وكيف كان فالأظهر البناء على الوجه الثاني وعدم اعتبار القيد المذكور فيما وضع الأمر له فإن ذلك هو المستفاد من نفس الصيغة ويعطيه التأمل في سائر الإنشاءات من التمني والترجي والتعجب والنداء والاستفهام والمدح والذم وغيرها فإنه أسام لخصوص تلك الإيقاعات الحاصلة بواسطة الألفاظ الدالة عليها المستعملة لإفادتها سواء وافقت ما هو المفهوم عند المتكلم بها المراد له في نفسه أو لا ألا ترى أنهم حكموا بصدق العقد على الواقع على سبيل الجبر والإكراه ولذا حكموا بصحته إذا تعقبه الإجازة مع أن القبول القلبي غير حاصل من الإكراه قطعا فليس ذلك إلا لكون مفاد القبول المأخوذ في قبلت هو إنشاء القبول في الظاهر الواقع بإرادة معنى اللفظ المذكور وإن لم يكن هناك قبول نفساني ورضا قلبي بالإيجاب واقعا حين صدور العقد ولذا حكموا بصدق العقد الفاسد عليه إذا لم يتعقبه الإجازة مع اعتبار الإيجاب والقبول في مطلق العقد فمدلول الأمر أيضا هو إنشاء الطلب في الخارج سواء كان ذلك موافقا لما هو مقصوده في الواقع أو لا فالأوامر الامتحانية أوامر حقيقة لاستعمالها في الطلب على الوجه المذكور وإن لم يكن فائدة الطلب هناك إيقاع المطلوب في الخارج بل فوائد أخر مترتبة على نفس الطلب ولذا يتحقق عصيان المأمور حينئذ بقول المأمور به ويحسن عقوبته لأجل ذلك مع أنه ينبغي عدم تحقق العصيان على الوجه الآخر إلا من جهة التجري نعم لو قامت قرينة على عدم إرادته لإنشاء الطلب في الخارج بل إنما ذكر صورة الأمر لمصلحة مترتبة عليه من غير قصد إلى معناه كان أمرا صوريا خارجا عن حقيقته فظهر بما قررناه قوة القول بمغايرة الطلب للإرادة بالمعنى المذكور وأن دلالته على الإرادة المذكورة ليست وضعية بل من جهة قضاء ظاهر الحال بها نظرا إلى أن الظاهر من إلزام المأمور بالفعل كون ذلك مرادا له بحسب الواقع حتى يقوم دليل على خلافه ومن ذلك يظهر الجواب عما ذكر من دعوى تبادره فيما ذكروه لعدم استناده إلى نفس اللفظ حتى يقوم دليلا على الوضع وقد يرجع إلى ذلك كلام القائلين بالاتحاد فيعود النزاع لفظيّا إلا أنه لا يخلو عن بعد ثم إن هذه المسألة هي مبنى ما ذهب إليه الأشاعرة من جواز الأمر بالشيء مع علم الآمر بانتفاء شرطه وما ذهبوا إليه من جواز النسخ قبل حضور وقت العمل به وظاهر الأصحاب المنع من الأمرين وسيجيء توضيح الكلام فيهما إن شاء الله وعليهما يبتنى أيضا ما ذهبوا إليه من جواز التكليف بالمحال نظرا إلى تسليمهم امتناع إرادة المحال فتجويزهم للتكليف بالمحال إنما هو من جهة بنائهم على المغايرة وعدم الملازمة بين التكليف والإرادة والحق هناك المنع على التقدير المذكور أيضا على حسبما نبينه في محله إن شاء الله المحكي عن أكثر علمائنا وكافة الأشاعرة وبعض المعتزلة القول بعدم اشتراط الإرادة في دلالة الأمر على الطلب فهو يدل عليه بالوضع وعن الجبائيين القول باشتراط دلالة الأمر على الطلب بإرادته فلا دلالة فيه عليه إلا معها وأنت خبير بوهن الخلاف المذكور على ظاهره وكأنه نظير ما حكي والقول باشتراط دلالة الألفاظ على معانيها بالإرادة وهو بظاهره قول سخيف لا يليق صدوره من أهل العلم فإنه إن أريد توقف الدلالة على إرادة المعنى بحسب الواقع فهو غير معقول إذ لا يعقل ترتبه على ذلك بل الأمر بالعكس وإن أريد توقفها على قيام الدليل على إرادته فهو كسابقه في الفساد إذ المقصود من وضع الألفاظ الانتقال إلى مراد المتكلم بواسطتها فلو توقفت دلالتها على العلم بالمراد لم يعقل فائدة في وضعها بل لزم الدور فلا يبعد إذن تنزيل الكلام القائل باشتراط الإرادة على ما