الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

115

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بأداء المجتهد الآخر ومقلده العبادة المطلوبة منه بحسب الشرع وإن كانت فاسدة لو وقعت منه ومن مقلده حسبما يأتي تفصيل القول في محله فيه إن شاء الله هذا بالنسبة إلى اختلاف الأحكام من جهة الاختلاف في الاستنباط إذا تعلق التكليف الثانوي بذلك على فرض مخالفته للواقع دون ما إذا لم يتحقق هناك تكليف ثانوي به وإن قلنا بمعذورية الفاعل على فرض بذل وسعه أو غفلته لانتفاء الأمر بالفعل القاضي بصحته ولو في الظاهر كما يجيء بيانه إن شاء الله وأما الاختلاف الحاصل من جهة الموضوعات فإن كان الحكم فيه دائرا بحسب الواقع مدار ما دل عليه الطرق الشرعية في إثبات ذلك الموضوع كما هو الحال في القبلة في بعض الوجوه والظن المتعلق بأداء الواجبات غير الأركان في الصلاة فالظاهر الحكم بالصحة واندراج العقل في تلك العبادة وإن خالف الحكم الأولي وأما ما كان الحكم فيه دائرا مدار الواقع وإن أنيط الحكم ظاهرا بما دل عليه الدليل الذي جعل طريقا إليه فلا يبعد القول بالخروج عن المسمى مع المخالفة وقد يفصل بين صورة انكشاف الخلاف وعدمه وما إذا علم بخلو أحد الفعلين أو الأفعال المحصورة عن الأمر المعتبر في الصحة وعدمه فمع عدم انكشاف الخلاف وعدم العلم به على النحو المذكور يقال بحصول الطبيعة واتصافها بالصحة الشرعية فيندرج الكل في العبادة المطلوبة وإن كان على خلاف ذلك بحسب حكمه الأول بخلاف صورة الانكشاف أو دوران المانع بين فعلين أو أفعال محصورة كما لو دارت الجنابة بين شخصين فلا يحكم معه بصحة الفعلين وإن حكم بصحة كل منهما في ظاهر الشرع بالنظر إلى المتلبس به ولتفصيل الكلام في ذلك مقام آخر لعلنا نشير إليه في بحث دلالة الأمر على الأجزاء إن شاء الله تعالى ثانيها أنه يمكن إجراء البحث المذكور في غير العبادات مما ثبت فيه للشارع عليه السلام معنى جديد كاللعان والإيلاء والخلع والمباراة ونحوها بناء على استعمال الشارع لتلك الألفاظ في غير المعاني اللغوية فيقوم احتمال كونها أسامي لخصوص الصحيحة منها أو الأعم منها ومن الفاسدة وكان الأظهر فيها أيضا الاختصاص بالصحيحة ويجري بالنسبة إليها كثير من الوجوه المذكورة ويتفرع عليه عدم الحكم بثبوت تلك الموضوعات إلا مع قيام الدليل على استجماعها للأجزاء والشرائط فلا يصح نفي جزء وشرط عنها بمجرد الأصل حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ثالثها أنه نص الشهيد الثاني في المسالك بكون عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح مجازا في الفاسد لوجود خواص الحقيقة والمجاز كالتبادر وعدم صحة السلب وغير ذلك من خواصّها قال ومن ثم حمل الإقرار به عليه حتى إنه لو ادعي إرادة الفاسدة لم يسمع إجماعا ولو كان مشتركا بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعم من الحقيقة وقال الشهيد الأول في القواعد الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود لا يطلق على الفاسد إلا الحج لوجوب المضي فيه وظاهره أيضا كون العقود حقيقة في خصوص الصحيحة وقد يشكل ذلك بأنه بناء على ما ذكر يكون ألفاظ المعاملات مجملة كالعبادات متوقفة على بيان الشارع لها الغرض استعمالها إذن في غير معناها اللغوي فلا يصح الرجوع فيها إلى الإطلاقات العرفية والأوضاع اللغوية والقول بكون ما وضعت له بحسب اللغة أو العرف هو خصوص الصّحيحة الشرعية بين الفساد لظهور المغايرة بين الأمرين مع أن صحة الرجوع فيها إلى العرف واللغة مما أطبقت عليه الأمة ولا خلاف فيه ظاهرا بين الخاصة والعامة فقضية ذلك هو حملها على الأعم من الصحيح الشرعي وغيره فلا يتجه القول بكونها حقيقة في خصوص الصحيحة ولا يوافق ذلك إطباقهم على ما ذكر ولذا نص جماعة من المتأخرين بكونها حقيقة في الأعم من الصّحيح والفاسد فالوجه في انصرافها إلى الصحيح من جهة قضاء ظاهر الإطلاق به فيكون التبادر المذكور إطلاقيا ناشئا من حمل المطلق على الفرد الكامل أو من جهة قضاء ظاهر المقام أو ظاهر حال المسلم به ويشكل ذلك أيضا بأن الظاهر انفهام ذلك من نفس اللفظ في الإطلاقات واحتمال استناده إلى غير اللفظ في غاية البعد ولذا يصح ذلك سلبها عن الفاسدة عند التأمل في الإطلاقات بل صحة سلبها بالنسبة إلى بعضها في غاية الظهور مع أن إطلاق تلك الأسامي على ذلك كغيره من غير فرق فالأظهر أن يقال بوضعها لخصوص الصحيحة أي المعاملة الباعثة على النقل والانتقال أو نحو ذلك مما قرر له تلك المعاملة الخاصة فالبيع والإجارة والنكاح ونحوها إنما وضعت لتلك العقود الباعثة على الآثار المطلوبة منها وإطلاقها على غيرها ليس إلا من جهة المشاكلة أو نحوها على سبيل المجاز لكن لا يلزم من ذلك أن يكون حقيقة في خصوص الصحيح الشرعي حتى يلزم أن تكون توقيفية متوقفة على بيان الشارع لخصوص الصحيحة منها بل المراد منها إذا وردت في كلام الشارع قبل ما يقوم دليل على فساد بعضها هو العقود الباعثة على تلك الآثار المطلوبة في المتعارف بين الناس فيكون حكم الشرع بحملها أو صحتها أو وجوب الوفاء بها قاضيا بترتب تلك الآثار عليها في حكم الشرع أيضا فيطابق صحتها العرفية والشرعية وإذا دل الدليل على عدم ترتب تلك الآثار على بعضها خرج ذلك عن مصداق تلك المعاملة في حكم الشرع وإن صدق عليه اسمها بحسب العرف نظرا إلى ترتب الأثر عليه عندهم وحينئذ فعدم صدق اسم البيع مثلا عليه حقيقة عند الشارع والمتشرعة لا ينافي صدقه عليه عند أهل العرف مع فرض اتحاد العرفين وعدم ثبوت عرف خاص عند الشارع إذ المفروض اتحاد المفهوم منه عند الجميع وإنما الاختلاف هناك في المصداق فأهل العرف إنما يحكمون بصدق ذلك المفهوم عليه من جهة الحكم بترتب الأثر المطلوب عليه وإنما يحكم بعدم صدقه عليه بحسب الشرع للحكم بعدم ترتب ذلك الأثر عليه ولو انكشف عدم ترتب الأثر عليه عند أهل العرف لا من قبل الشارع لم يحكم عرفا بصدق ذلك عليه أيضا كما أن البيوع الفاسدة في حكم العرف خارجة عندهم عن حقيقة البيع فظهر أنه لا منافاة بين خروج العقود الفاسدة عند الشارع عن تلك العقود على سبيل الحقيقة وكون المرجع في تلك الألفاظ هو المعاني العرفية من غير أن يتحقق هناك حقيقة شرعية جديدة فتأمل جدا [ الكلام في المشترك . ] قوله وقد أحاله شرذمة أراد بالاستحالة مخالفة للحكمة فلا يصدر من الحكيم كما يدل عليه ما احتجوا به من أنه إن ذكر مع القرينة كان تطويلا بلا طائل وإلا كان مخلا بالتفاهم وفساد الوجه المذكور كأصل الدعوى مما لا يكاد يخفى لوضوح فوائد الاشتراك ووجود الفوائد في استعماله مع القرينة وعدم إخلاله بمطلق الفهم مع تجريده عن القرائن على أنه قد يكون الإجمال مطلوبا في المقام مضافا إلى أنه مبني على كون الواضع هو الله سبحانه أو من يستحيل عليه مخالفة الحكمة وأما لو كان ممن يجوز عليه فلا يستحيل أن يقع منه ذلك على أنه قد يقع