الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

116

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ذلك من جهة تعدد الواضع وعدم إطلاق أحدهم على وضع الآخر ثم إن في القائلين بإمكانه من يمنع من وقوعه فيئول ما يرى من المشتركات إلى الحقيقة والمجاز أو غيره وهو تعسف ظاهر لا موجب له وفي القائلين بوقوعه من يذهب إلى وجوبه مستدلا بما وهنه بين بما مر نعم قد يقال بوجوبه بمعنى كونه مقتضى الحكمة لقضائها بوجود المحتملات في اللغة نظرا إلى مسيس الحاجة إليها في بعض الأحوال ولما فيه من فوائد أخر لفظية ومعنوية قوله إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا قيل أراد به أن يكون المعنيان مما يجتمعان في الإرادة بحسب استعمالات العرف فالمراد بغير الممكن ما لم يعهد الجمع بينهما في الإرادة كاستعمال الأمر في الوجوب والتهديد ولو بالنسبة إلى شخصين ولا يريد به ما يستحيل اجتماعهما عقلا إذ لا استحالة فيما ذكر وفيه أنه لا وجه حينئذ للحكم بعدم إمكان الاجتماع إذ عدم معهودية استعمالهم له في ذلك لا يقضي بالمنع منه مع وجود المصحح ومن البين أن كثيرا من المجازات مما لم يكن جارية في كلام العرب القديم ولا كانوا يعرفونها وإنما اخترعها المتأخرون بخيالاتهم كيف ولو بني على إخراج المتروكات عن محل البحث لم يبق هناك محل للنزاع لوضوح متروكية استعمال المشترك في معنييه من أصله إذ لم نجد شيئا من ذلك في الاستعمالات الدائرة ولو ورد من ذلك شيء محقق في كلماتهم لكان ذلك من أقوى أدلة المجوزين فلم لم يستند إليه أحد منهم في إثبات الجواز فلو قطعنا النظر عن ظهور عدم وروده في كلامهم فلا أقل من عدم تحقق الورود أيضا فلا يكون هناك موضع يعرف كونه من محل الخلاف ومع الغض عن ذلك فمتروكية الاستعمال لا يمنع من استعمال الحقائق والقول بكون الاستعمال المذكور حقيقة إما مطلقا أو في بعض الصور من الأقوال المعروفة في المسألة فلا وجه إذن لاعتبار عدم المتروكية في محل النزاع وقيل أراد به إخراج ما لا يمكن إرادتهما معا منه في إطلاق واحد كاستعمال صيغة الأمر في الوجوب والتهديد وكأنه أراد ذلك بالنسبة إلى شخص واحد وفعل واحد وزمان واحد نظرا إلى استحالة اجتماع الأمر والنهي كذلك هذا إذا قلنا باستحالة اجتماع الأمر والنهي بناء على كونه من قبيل التكليف المحال لا التكليف بالمحال كما قيل ولو قلنا بالثاني فلا مانع من نفس الاستعمال الذي هو محط الكلام في المقام غاية الأمر عدم وروده في كلام الحكيم وكذا الحال في استعمال اللفظ في الضدين مما لا يمكن تحققهما في الخارج كما في قولك هند في القرء إذا أردت به الطهر والحيض معا فإن عدم جواز الاستعمال حينئذ من جهة لزوم الكذب لا لمانع في اللفظ فلا مانع من جهة نفس الاستعمال الذي هو المنظور في المقام كيف ولو قيل بالمنع من الاستعمال لأجل ذلك يجري في استعمال سائر الألفاظ إذا لم يطابق مفادها الواقع ومن البين أن أحدا لا يقول به إذ لا مدخلية لمطابقة المدلول للواقع وعدمه في صحة الاستعمال بحسب اللغة وعدمها هذا إذا أراد بإمكان الجمع بينهما في الإرادة من جهة صحة اجتماع المعنيين بحسب الواقع وأما إذا أراد به صحة اجتماع الإرادتين بأنفسهما كما هو قضية ما ذكرناه أولا فله وجه إن تم ما ادعوه من الاستحالة إلا أن عدم قابلية المعنيين حينئذ للاجتماع ليس لمانع في نفس الاستعمال بل لعدم إمكان حصول الأمرين في أنفسهما ولو أديا بلفظين فليس المنع حينئذ من جهة اللغة ولا مدخلية لاجتماعهما في الإرادة من اللفظ الواحد فلا يكون للتقييد به كثير مدخلية في المقام وكان الأولى تفسير ذلك بما إذا كان المعنيان مما يختلفان في الأحكام اللفظية ولم يمكن اجتماعهما في الإرادة بحسب ما يلزمهما من التوابع المختلفة كما إذا كان اللفظ بالنظر إلى أحد المعنيين اسما وبالنظر إلى الآخر فعلا أو حرفا أو كان اللفظ بالنظر إلى أحد المعنيين مرفوعا وبالنظر إلى الآخر منصوبا أو مجرورا مع ظهور الإعراب فيه قوله ثم إن القائلين بالوقوع إلى آخره أقول قبل تحقيق المرام وتفصيل ما هو على الأقوال من النقض والإبرام لا بد من تبيين محل الكلام وتوضيح ما هو المقصود بالبحث في هذا المقام فنقول للمشترك على ما ذكروه إطلاقات أحدها أن يستعمل في كل من معنييه أو معانيه منفردا ولا كلام في جوازه ولا في كونه حقيقة وهو الشائع في استعماله ثانيها أن يستعمل في القدر المشترك بين معنييه أو معانيه كالأمر المستعمل في الطلب على القول باشتراكه لفظا بين الوجوب والندب ومنه إطلاقه على مفهوم المسمى بذلك اللفظ كإطلاق زيد على المسمى به حسبما ذكروه في مثنى الأعلام ولا تأمل في كون ذلك مغايرا لمعناه الموضوع له فيتبع جوازه وجود العلاقة المصحّحة للتجوز وليس مجرد كون ذلك قدرا مشتركا كافيا في صحة التجوز فما يظهر من بعض الأفاضل من صحة الاستعمال على النحو المذكور مطلقا كما ترى ثالثها أن يطلق على أحد المعنيين من غير تعيين وعزي إلى السكاكي أنه حقيقة فيه وحكي عنه أن المشترك كالقرء مثلا مدلوله أن لا يتجاوز الطهر والحيض غير مجموع بينهما يعنى أن مدلوله واحد من المعنيين غير معين فهذا مفهومه ما دام منتسبا إلى الوضعين لأنه المتبادر إلى الفهم والتبادر إلى الفهم من دلائل الحقيقة أقول إطلاق المشترك على أحد معنييه إما أن يكون باستعماله في مفهوم أحدهما أو في مصداقه وعلى الأول فكل من المعنيين ملحوظ في المقام إلا أنه مأخوذ قيدا فيما استعمل فيه أعني مفهوم الأحد فالقيد خارج عن المستعمل فيه والتقييد داخل فيه على نحو العمى فإنه العدم الخاص المضاف إلى البصر فليس خصوص كل من المعنيين مما استعمل اللفظ فيه وحينئذ فإما أن يراد به المفهوم الكلي الشامل لكل منهما ويراد به أحدهما على سبيل المجاز بأن يجعل آلة لملاحظة أحد ذينك المعنيين على سبيل الترديد والإجمال فيدور بينهما والفرق بين الوجهين أن الأول من قبيل المطلق فيحصل المطلوب الامتثال بكل منهما والثاني من قبيل المجمل فلا يتعين المكلف به إلا بعد البيان وعلى الثاني فإما أن يكون المستعمل فيه أحد المعنيين المفروضين على سبيل الإبهام والإجمال بحسب الواقع فلا يكون متعينا عند المتكلم ولا المخاطب أو يكون متعينا بحسب الواقع عند المتكلم إلا أنه يكون مبهما عند المخاطب نظرا إلى تعدد الوضع وعدم قيام القرينة على التعيين والأول باطل إذ استعمال اللفظ في المعنى أمر وجودي لا يصح أن يتعلق بالمبهم المحض كما في هذا الفرض إذ المفروض عدم استعماله واقعا في خصوص شيء من المعنيين وإلا لكان المستعمل فيه معينا بحسب الواقع ولا في مفهوم أحدهما الشامل لكل منهما كما هو المفروض فلا يتصور استعماله على النحو المذكور وكل من الوجوه الثلاثة الباقية مما يصح استعمال المشترك فيه وأنت خبير بأن الوجه الأخير هو الوجه الأول