الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

110

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وتميزها حين الوضع من أول الأمرين غير متوقف على طرو شيء وحصول شرط كما هو العادة الجارية في الأوضاع والمفروض خلافه في المقام إذ ليس الوضع للطبيعة التامة والناقصة على اختلاف مراتبها على النحو المذكور وإنما يكون الوضع لها متوقفا على طرو الطواري على اختلاف وجوهها وعدمه فما دام متمكنا متذكرا يكون الصلاة بالنسبة إليه شيئا وما دام عاجزا أو ناسيا أو ساهيا باختلاف المراتب في ذلك شيئا آخر ويختلف التسمية بحسب اختلاف الأحوال ومثله غير معهود في الأوضاع ثانيهما أنه لو فرض تحقق الوضع على النحو المذكور سواء قلنا بوضعها لذلك على سبيل الاشتراك اللفظي أو المعنوي فلا بد أن ينوي المكلف أولا صلاته التي هي تكليفه في نفس الأمر لما عرفت من اختلاف الصلاة وتعدد الماهيات وحينئذ فلا بد أن ينوي أولا من ينسى التشهد مثلا في الركعة الثانية تلك الصلاة الناقصة وهو ضروري الفساد ولو قيل إنه ينوي الصلاة التامة أولا وحينئذ كيف يجزي عنه غير ما نواه وكيف يجزي قصد ماهية من غيرها مع وقوع الثانية من دون نية وقصد الناقصة في الأثناء كيف يقضي بالإجزاء مع دخوله فيها بغير قصدها ولو قيل بترك ذلك إذن من الماهيتين حيث إنه من التامة إلى حد التمام فيجزي فيه نيتها ومن الناقصة بعد طرو النقص فلا بد من نيتها فهو واضح الفساد أيضا إذ لا وجه لتركيب الماهية من ماهيتين مختلفين متباينتين والحاصل أنه لا يصح من الشارع إيقاع مثل تلك التسمية ولا للمصلي القصد إلى ذلك المسمى ونيته هكذا ذكره بعض الأفاضل ورأى أن شيئا من ذلك لا يلزم القائل بوصفها للأعم إذ هي حينئذ اسم لما يقبل الصحة والفساد والزيادة والنقصان ولا يتفاوت فيه الحال ولا يرد عليه الإشكال إذ تلك الزيادات والنقيصات إنما هي من طوارئ الماهيات وعوارضها ولا اختلاف في الماهية بحسب اختلافها فلا مانع من التسمية فلا إشكال في تصحيح النية قلت إن القائل بوضعها للصّحيحة يقول أيضا بنحو ذلك بعينه إذ لا يقول أحد باشتراكه الصلاة لفظا بين تلك الخصوصيات وإن هناك ماهيات عديدة متباينة خارجة من حد الإحصاء بل إنما يذهب إلى وضعها للقدر الجامع بين الجميع ويجعل تلك الاختلافات اختلافا في الأفراد والخصوصيات ويقول بكون نفس الماهية أمرا قابلا لتلك الزيادات والنقيصات على ما يلتزم به القائل بكونها للأعم غير أنه يعتبر خصوصيته زائدة على ما يقول به القائل بالأعم فهو كون تلك الماهية حسنة مقربة إلى الله تعالى فإن تلك الاختلافات قد يكون على نحو يوجب خروج العمل عن قابلية التقرب وقد لا يكون كذلك فيجعل الموضوع له هو تلك الماهية مقيدة بذلك ليخرج الأول من المسمى وهذا التقييد إن لم يوجب زيادة تعين للمسمى فلا يزيده إبهاما حتى إنه يكون قبل التقييد به ماهية محدودة متعينة الحدود والأجزاء وبعد التقييد به ماهية مبهمة غير متعينة ليتوقف بعينه على ملاحظة تلك الخصوصيات بل قد يقال بأن الأمر فيما ذكرنا بالعكس فإنه يصح للقائل بوضعها للصحيحة ملاحظة معيارا للتسمية أعني ما يحصل به القربة ويكون معروضا للإجزاء والصّحة بخلاف القائل بوضعها للأعم فيشكل الحال بالنسبة إليه إذ لا معيار له حينئذ سوى التسمية والمفروض أن التسمية فرع تعيين المسمى حسبما ذكره والقول بتعيين أجزاء مخصوصة متعلق به التسمية موجب لخروج الباقي عن الحقيقة فلا يصح إطلاقها على الكل على سبيل الحقيقة وهو باطل باتفاق الكل كما مرت الإشارة إليه على أنه لا فارق بين الأجزاء في ذلك لصدق الصلاة بحسب العرف قطعا مع انتفاء كل منهما من غير فرق أصلا كما مر وكيف يعقل تصوير أمر متميّز معلوم بين جامع بين الصلاة الصحيحة والفاسدة بحيث يشمل الصلاة الجامعة لجميع الأجزاء والشرائط المعتبرة في حال الشعور والاختيار والقدرة وصلاة التكبير التي تجزي فيها تكبيرات أربع وما بين هذين من المراتب التي لا تحصى الواقعة على الوجه الصحيح والفاسد فما أورده على القول المذكور فهو أشد ورودا على القول المذكور القائل بكونها للأعم ثم نقول أيضا من البين أن التكبيرات الأربع إذا صدرت من القادر المتمكن من الصلاة التامة لا يسمى صلاة عند المتشرعة قطعا بخلاف ما إذا وقعت في محلها وكذا في غيرها من بعض الوجوه التي قد يقع الصلاة عليه فما أورده من لزوم اختلاف التسمية باختلاف الأحوال الطارية على القول بوضعها للصحيحة وأورد عليه أيضا بأن غاية الأمر أن لا يختلف الحال عنده في التسمية بالنسبة إلى بعض الوجوه ولا بد في بعض آخر من القول باعتبار خصوصيات الأحوال في التسمية إذ كما يقضي اختلافها باختلاف الحال في الفساد والصحة فكذا يقضي باختلاف التسمية كما لا يخفى بعد ملاحظة الإطلاقات العرفية وقد اتضح لك بملاحظة ما قرّرناه في المقام وما أشرنا إليه سابقا اندفاع الإيرادين المذكورين أما الأول فلأن ما ذكر من اختلاف الحال في التسمية بحسب اختلاف الأحوال ليس من جهة ورود الأوضاع مترتبة على اللفظ بحسبها حتى تكون خارجا عن القانون المتعارف بل لاختلافها في الصحة المأخوذة في الوضع والموضوع له مفهوم كلي إجمالي شامل للجميع كما مرت الإشارة إليه وإنما يختلف الحال في مصاديقها بحسب اختلاف تلك الأحوال وأما الثاني فلما عرفت من عدم اختلاف الطبيعة في النوع بحسب اختلاف تلك الأحوال حتى لا يصح الأمر في النية وإنما هو اختلاف في الأمور العارضة يختلف مصاديق تلك الطبيعة بحسب اختلافها وذلك مما لا يقضي بإشكال في النية وهو ظاهر رابعها أنها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيحة لما صح تعلق الطلب بشيء من العبادات معلقا له على أساميها والتالي ظاهر الفساد بيان الملازمة أن الألفاظ المذكورة حينئذ دالة بنفسها على مطلوبية معانيها مع قطع النظر من تعلق صيغ الطلب بها إذ المفروض دلالتها على العمل الصحيح وهو لا يكون إلا مطلوبا فلا يحصل من تعلق الطلب بها فائدة جديدة ويكون بمنزلة أن تقول أريد منك العمل الذي هو مرادي وفيه أولا أن هناك فرقا بينا بين دلالة الألفاظ المقررة على مطلوبية معانيها ودلالة المركبات على وقوع الطلب فإن غاية ما يستفاد من المفردات إحضار مداليلها المفيدة بكونها مطلوبة وأما كون ذلك الطلب حاصلا بحسب الواقع فلا لظهور كون ذلك معنى خبريا لا تدل المفرد عليه مثلا لفظ الصوم اسم للإمساك المعروف المطلوب لله تعالى فغاية ما يستفاد من لفظه إحضار المعنى المذكور ببال السامع وأما أن ذلك المعنى أمر متحقق في الواقع قد تعلق طلب الشارع به فلا دلالة فيه عليه أصلا والمستفاد من تعلق الطلب بها هو المعنى الأخير فلا تكرار نعم لو قال الشارع إن الصوم ثابت في الشريعة أفاد على القول المذكور كونه مطلوبا للشارع ولا فساد فيه بل الظاهر بحسب متفاهم