الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
111
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
العرف دلالة عليه وهو مما يؤيد القول المذكور وثانيا أن تلك الأوامر هي الدالة على كون تلك الأعمال عبادة مطلوبة للشارع فيعلم بذلك كون تلك الألفاظ مستعملة في تلك العبادات فلو لا ما دل على مطلوبيتها لما علم كون تلك الألفاظ من أسامي العبادات وأن مداليلها من الأمور الراجحة فغاية الأمر أنه بعد تعلق الطلب بها ومعرفة كون تلك الأفعال عبادة يمكن الرجوع قهقرى واستعلام المطلوبية من مجرد اللفظ وأين ذلك من عدم صحة تعلق الأمر بها كما هو المدعى هذا بالنسبة إلى الأوامر الابتدائية التي يستفاد منها أصل المطلوبية وأما الأوامر المتكررة الواردة بعد معرفة كون تلك الأفعال عبادة مطلوبة فهي أيضا مما لا مانع في ورودها فإنها كالأمر بالطاعة مع أن الطاعة فيما يراد اتحاد الفعل هي موافقة الأمر فغاية الأمر أن تكون مؤكدة وهي إنما سيقت لأجل ذلك وثالثا أن تعلق الأمر بها يفيد كون ما تعلق به واجبا إن كان الأمر إيجابيا أو مندوبا إن كان ندبيا وذلك لا يستفاد من مجرد ملاحظة الألفاظ المذكورة فإنها إنما تدل على المطلوبية في الجملة الأعم من الوجوب والندب وقد يناقش فيه بأن غاية ما يصحح به من ذلك كون تعلق الأمر الإيجابي أو الندبي مفيدا وأما إذا كان اللفظ الدال على المطلوبية أعم من الوجهين بأن يدل على مطلق الرجحانية فالإيراد على حاله إذ المفروض كون الألفاظ المفروضة مفيدة لذلك أيضا وقد وقع ذلك كثيرا في الأدلة الشرعية خامسها أنها لو كانت موضوعة لخصوص الصحيحة لزم دخول وصف الصحة في مفاهيمها وهو بين الفساد لظهور كونها من عوارض وجودها في الخارج ويدفعه أنه ليس المقصود أخذ مفهوم الصحة في مداليل تلك الألفاظ حتى يرد ما ذكر بل المدعى كون الموضوع له هو الأفعال الجامعة للأجزاء والشرائط وهي من شأنها الاتصاف بالصحة عند وجودها في الخارج ولا يلزم من ذلك أخذ مفهوم الصحة في الموضوع له مطلقا فضلا عن أخذها بعنوان الجزئية كما توهم في الاحتجاج والتعبير عن المدعى بأن تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة إنما أريد به ما ذكرنا يجعل الصحيحة عنوانا لتلك الماهية المستجمعة للأجزاء والشرائط سادسها أنها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم دخول الشرائط في مفاهيم تلك العبادات فلا يبقى فرق بين أجزائها وشرائطها لاندراج الجميع إذن في مفاهيمها وهو فاسد بالإجماع وقد أشار إلى ذلك العضدي وهو كسابقه في غاية الوهن للفرق البين بين أخذ الشيء جزءا من المفهوم وقيدا فيه على أن يكون القيد خارجا والتقييد داخلا وأقصى ما يلزم في المقام هو الثاني والفرق بينه وبين الجزء في كمال الوضوح وإن اشتركا في لزوم الانتقال إليهما عند تصور المفهوم على سبيل التفصيل وبذلك يفترق الحال بينها وبين الشرائط العقلية الخارجية مما لا يمكن حصول المطلوب في الخارج إلا بها حيث إنه لا يلزم الانتقال إليها من تصور المشروط بها أصلا بل يمكن أن يقال إن الحال فيها أيضا كذلك إذ لا يلزم من القول بوضعها للصحيحة ملاحظة الشرائط أصلا ولو بكونها قيدا في الموضوع له إذ قد يكون الملحوظ في الوضع هو تلك الأجزاء من حيث كونها حسنة مطلوبة أو من حيث كونها صحيحة مبرئة للذمة ونحو ذلك فغاية الأمر حينئذ أن لا يمكن وقوعها في الخارج إلا مع استجماعها للشرائط ولا ربط لذلك بالانتقال إلى الشرائط بتوسطها ثم إنه قد أيد بعض الأفاضل هذا القول بأمور منها اتفاق الفقهاء على أن أركان الصلاة هي ما يبطل الصلاة بزيادتها عمدا أو سهوا ومن البين أنه لا يمكن زيادة الركوع مثلا عمدا إلا عصيانا ولا ريب في كونه منهيا عنه ومع ذلك يعد ركوعا حقيقة لا صورة الركوع لوضوح عدم بطلان الصلاة بإيجاد الصورة كمن انحنى بمقدار الركوع للهوى إلى السجود أو لأخذ شيء من الأرض وفيه خروج نحو الركوع والسجود عن محل البحث لكونه من الألفاظ اللغوية وليس معانيها من الماهيات الجعلية الشرعية كما أشرنا إليه في أول المسألة ولو سلم كونها من المعاني المستحدثة فليست الألفاظ المذكورة من أسامي العبادات وإنما هي أسامي لأجزاء العبادات ومن البين أنه لا يتعلق هناك أمر بالخصوص حتى يعتبر فيها الصحة والفساد واعتبار الأمر المتعلق بالكل في أوضاع تلك الأجزاء مما يستبعد جدا ومع الغض عنه فعدم اعتباره هناك لا يفيد اعتباره في محل البحث مع الفرق البين بينهما ومنها ما روي في الصحيح من بناء الإسلام على خمس الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية قال عليه السلام ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذا يعني الولاية فحكمه عليه السلام بأخذهم بالأربع مع ما ثبت من فساد عباداتهم لا يتم إلا مع جعل تلك العبادات أسامي للأعم وفيه ما عرفت من الفرق بين مفهوم الصلاة وما أخذ من التفاصيل من مصاديقها ففساد عباداتهم من جهة انتفاء شرط الولاية أو غيره من ترك بعض الأجزاء والشرائط لا يقضي بعدم أخذهم بتلك العبادات بل واعتقادهم بناء الإسلام عليها بل وإتيانهم بها ومواظبتهم عليها على حسب معتقدهم وإن أخطئوا في كيفية أدائها ولا دلالة في حكمه عليه السلام بأخذهم بها على ما يزيد على ذلك بل نقول إن الظاهر من الرواية إرادة خصوص الصّحيحة لوضوح عدم بناء الإسلام على الفاسدة إذ هي من الأمور المحرمة التي نهي عنها في الشريعة وأراد الشارع عدم وقوعها فكيف يصح القول بابتناء الإسلام عليها فذلك من أقوى الشواهد على إرادة الصحيحة منها فهي إذن لتأييد القول بوضعها للصحيحة أولى كما لا يخفى ومنها أنه لا إشكال عندهم في الصحة اليمين على ترك الصلاة في مكان مكروه أو مباح مثلا وحصول الحنث بفعلها ويلزم على ذلك المحال لأنه يلزم من ثبوت اليمين حينئذ نفيها فإن ثبوتها يقتضي كون الصلاة منهيا عنها والنهي في العبادة مستلزم للفساد كونها فاسدة يستلزم عدم تعلق اليمين بها إذ المفروض تعلقها بالصّحيحة فيلزم حينئذ أن لا يتحقق الحنث بفعلها لعدم تحقق الصلاة الصحيحة والقول بأن المراد الصلاة الصحيحة لولا اليمين لا يجعلها صحيحة في نفس الأمر كما هو المدعى وفيه أن مبنى الكلام المذكور على لزوم استعمال الصلاة في المقام في الأعم لعدم إمكان إرادة الصحيحة وإلا لزم الفساد المذكور حينئذ يرد عليه أولا النقض بما إذا حلف أن لا يصلي واجبة أو مندوبة في الحمام مثلا إذ من البين الواضح عدم شمول الواجب والمندوب للفاسد بل فيما لو نذر أن لا يصلي صلاة صحيحة فيه فإنه إن قيل بصحة صلاته فيه بعد ذلك وعدم انعقاد النذر فهو مما لا وجه له على أنه جار في نذر المطلق أيضا فلا مانع إذن من التزام القائل بوضعها للصحيحة بذلك وإن قيل بعدم صحتها نظرا إلى انعقاد النذر فكيف يتحقق الحنث مع أن الواقع ليس من أفراد المحلوف على تركه وثانيا أن متعلق الحلف