السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 92

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

الشيعة المتعبِّدين بفقه أهل البيت كانوا في نموٍّ مستمرٍّ كمّياً ، وكانت علاقاتهم بفقهائهم وطريقة الإفتاء والاستفتاء تتحدّد وتتّسع ، استطعنا أن نعرف أنّ الفقه الإمامي لم يفقد العوامل التي تدفعه نحو النموّ ، بل اتّسعت باتّساع التشيّع وشيوع فكرة التقليد بصورةٍ منظّمة . وهكذا نعرف أنّ الفكر العلمي الإمامي كان يملك عوامل النموّ داخلياً باعتبار فتوّته وسيره في طريق التكامل ، وخارجياً باعتبار العلاقات التي كانت تربط الفقهاء الإماميّين بالشيعة وبحاجاتهم المتزايدة . ولم يكن التوقّف النسبي له بعد وفاة الشيخ الرائد إلّا لكي يستجمع قُواه ويواصل نموّه عند الارتفاع إلى مستوى التفاعل مع آراء الطوسي . وأمّا عنصر الإثارة المتمثّل في الفكر العلمي السنّي فهو وإن فقده الفكر العلمي الإمامي نتيجةً لجمود الحوزات الفقهية السنّية ولكنّه استعاده بصورةٍ جديدة ، وذلك عن طريق عمليات الغزو المذهبي التي قام بها الشيعة ، فقد أصبحوا في القرن السابع وما بعده في دور الدعوة إلى مذهبهم ، ومارس علماؤنا - كالعلّامة الحلّي وغيره - هذه الدعوة في نطاقٍ واسع ، فكان ذلك كافياً لإثارة الفكر العلمي الشيعي للتعمّق والتوسّع في درس أصول السنّة وفقهها وكلامها ، ولهذا نرى نشاطاً ملحوظاً في بحوث الفقه المقارن قام به العلماء الذين مارسوا تلك الدعوة من فقهاء الإمامية كالعلّامة الحلّي . [ من ] صاحب السرائر إلى صاحب المعالم : وكانت بداية خروج الفكر العلمي عن دور التوقّف النسبي على يد الفقيه المبدِع محمد بن أحمد بن إدريس المتوفّى سنة ( 598 ه ) ، إذ بثَّ في الفكر العلمي روحاً جديدة ، وكان كتابه الفقهي « السرائر » إيذاناً ببلوغ الفكر العلمي في مدرسة