السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 73
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
سنة 189 ه - بينما قد لا نجد التصنيف الواسع في علم الأصول على الصعيد الشيعي إلّا في أعقاب الغيبة الصغرى - أي في مطلع القرن الرابع - بالرغم من وجود رسائل سابقةٍ لبعض أصحاب الأئمّة عليهم السلام في مواضيع اصوليةٍ متفرّقة « 1 » . وما دمنا قد عرفنا أنّ نموّ التفكير الأصولي ينتج عن الحاجة إلى الأصول في عالم الاستنباط ، وأنّ هذه الحاجة تأريخية تتّسع وتشتدّ بقدر الابتعاد عن عصر النصوص فمن الطبيعي أن يوجد ذلك الفارق الزمني وأن يسبق التفكير الأصولي السنّي إلى النموّ والاتّساع ؛ لأنّ المذهب السنّي كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فحين اجتاز التفكير الفقهي السنّي القرن الثاني كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافةٍ زمنيةٍ كبيرةٍ تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط ؛ الأمر الذي يوحي بالحاجة الشديدة إلى وضع القواعد العامة الأصولية لملئها . وأمّا الإمامية فقد كانوا وقتئذٍ يعيشون عصر النصّ الشرعي ؛ لأنّ الإمام عليه السلام امتداد لوجود النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الإمامية في الاستنباط أقلَّ بكثيرٍ إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للإحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول . ولهذا نجد أنّ الإمامية بمجرّد أن انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجهٍ خاصٍّ تفتّحت ذهنيتهم الأصولية وأقبلوا على
--> ( 1 ) ككتاب « اختلاف الحديث ومسائله » ليونس بن عبد الرحمن ، وكتاب « الخصوص والعموم » و « إبطال القياس » و « نقص اجتهاد الرأي » لأبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي ، راجع : تأسيس الشيعة : 311