السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 61

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

الاسترآبادي يميل به إلى المذهب الحسّي في نظرية المعرفة القائل : بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة ، ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الإسلامي أحد المسارب التي تسرَّب منها الاتّجاه الحسّي إلى تراثنا الفكري . وقد سبقت الأخبارية - بما تمثّل من اتّجاهٍ حسّيٍّ - التيار الفلسفي الحسّي الذي نشأ في الفلسفة الأوروبية على يد « جون لوك » المتوفّى سنة ( 1704 م ) ، و « دافيد هيوم » المتوفّى سنة ( 1776 م ) ، فقد كانت وفاة الاسترآبادي قبل وفاة « جون لوك » بمائة سنةٍ تقريباً ، ونستطيع أن نعتبره معاصراً ل « فرنسيس بيكون » المتوفّى سنة ( 1626 م ) ، الذي مهّد للتيار الحسّي في الفلسفة الأوروبية . وعلى أيِّ حالٍ فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية والمذاهب الحسّية والتجريبية في الفلسفة الأوروبية ، فقد شنّت جميعاً حملةً كبيرةً ضدّ العقل ، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدّها من الحسّ . وقد أدّت حركة المحدّث الاسترآبادي ضدّ المعرفة العقلية المنفصلة عن الحسّ إلى نفس النتائج التي سجّلتها الفلسفات الحسّية في تأريخ الفكر الاروبي ، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوّةً - بحكم اتّجاهها الخاطئ - إلى معارضة كلّ الأدلّة العقلية التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود اللَّه سبحانه ؛ لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس . فنحن نجد مثلًا محدّثاً - كالسيّد نعمة اللَّه الجزائري - يطعن في تلك الأدلّة بكلّ صراحةٍ وفقاً لاتّجاهه الأخباري ، كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفية « 1 » ، ولكنّ ذلك لم يؤدِّ بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد كما أدّى بالفلسفات الحسّية الأوروبية ؛ لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على

--> ( 1 ) الدرر النجفية : 146