السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 60

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

كما أشرنا في البحث السابق . ويرجع تأريخ هذا الاتّجاه إلى أوائل القرن الحادي عشر ، فقد أعلنه ودعا إليه شخص كان يسكن وقتئذٍ في المدينة باسم « الميرزا محمد أمين الاسترآبادي » المتوفّى سنة ( 1023 ه ) ، ووضع كتاباً أسماه « الفوائد المدنية » بلور فيه هذا الاتّجاه وبرهن عليه ومذهبه ، أي جعله مذهباً . ويؤكّد الاسترآبادي في هذا الكتاب أنّ العلوم البشرية على قسمين : أحدهما العلم الذي يستمدّ قضاياه من الحسّ ، والآخر العلم الذي لا يقوم البحث فيه على أساس الحسّ ، ولا يمكن إثبات نتائجه بالدليل الحسّي . ويرى المحدّث الاسترآبادي أنّ من القسم الأول الرياضيات التي تستمدّ خيوطها الأساسية - في زعمه - من الحسّ ، وأمّا القسم الثاني فيمثّل له ببحوث ما وراء الطبيعة التي تدرس قضايا بعيدةً عن متناول الحسّ وحدوده ، من قبيل تجرّد الروح ، وبقاء النفس بعد البدن ، وحدوث العالم . وفي عقيدة المحدّث الاسترآبادي أنّ القسم الأول من العلوم البشرية هو وحده الجدير بالثقة ؛ لأنّه يعتمد على الحسّ ، فالرياضيات - مثلًا - تعتمد في النهاية على قضايا في متناول الحسّ ، نظير أنّ ( 2 + 2 / 4 ) . وأمّا القسم الثاني فلا قيمة له ، ولا يمكن الوثوق بالعقل في النتائج التي يصل إليها في هذا القسم ؛ لانقطاع صلته بالحسّ « 1 » . وهكذا يخرج الاسترآبادي من تحليله للمعرفة بجعل الحسّ معياراً أساسياً لتمييز قيمة المعرفة ومدى إمكان الوثوق بها . ونحن في هذا الضوء نلاحظ بوضوحٍ اتّجاهاً حسّياً في أفكار المحدّث

--> ( 1 ) انظر الفوائد المدنية : 129