السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 211

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

عنه ، وأمّا السيرة العقلائية فمردّها - كما عرفنا - إلى ميلٍ عامٍّ يوجد عند العقلاء نحو سلوكٍ معيّنٍ ، لا كنتيجةٍ لبيانٍ شرعي ، بل نتيجة لمختلف العوامل والمؤثّرات الأخرى التي تتكيّف وفقاً لها ميول العقلاء وتصرّفاتهم ، ولأجل هذا لا يقتصر الميل العامّ الذي تعبّر عنه السيرة العقلائية على نطاق المتديّنين خاصّة ؛ لأنّ الدين لم يكن من عوامل تكوين هذا الميل . وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ طريقة الاستدلال التي كنّا نستخدمها في سيرة المتشرِّعة لا يمكننا استعمالها في السيرة العقلائية ، فقد كنّا في سيرة المتشرِّعة نكتشف عن طريق السيرة البيان الشرعي الذي أدّى إلى قيامها بوصفها نتيجةً للبيان الشرعي وناشئةً عنه ، إذ لم يكن من المحتمل أن يتّفق المتشرّعة جميعاً على أداء صلاة الظهر في يوم الجمعة - مثلًا - دون أن يكون هناك بيان شرعي يدلّ على ذلك . وأمّا الميل العامّ الذي تمثّله السيرة العقلائية فهو ليس ناشئاً عن البيان الشرعي ، ولا ناتجاً عن دوافع دينيةٍ ليتاح لنا أن نكتشف عن طريقه وجود بيانٍ شرعيٍّ أدّى إلى تكوّنه وقيامه . ولأجل هذا يجب أن ننهج في الاستدلال بالسيرة العقلائية نهجاً آخر يختلف عن نهجنا في الاستدلال بسيرة المتشرِّعة . ويمكننا تلخيص هذا المنهج في ما يلي : إنّ الميل الموجود عند العقلاء نحو سلوكٍ معيّنٍ يعتبر قوةً دافعةً لهم نحو ممارسة ذلك السلوك ، فإذا سكتت الشريعة عن ذلك الميل ولم تردع عن الانسياق معه كشف سكوتها هذا عن رضاها بذلك السلوك وانسجامه مع التشريع الإسلامي . ومثال ذلك : سكوت الشريعة عن الميل العامِّ عند العقلاء نحو الأخذ بظهور كلام المتكلّم وعدم ردعها عنه ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها تقرّ هذه الطريقة في فهم