السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 212
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
الكلام ، وتوافق على اعتبار الظهور حجّةً وقاعدةً لتفسير ألفاظ الكتاب والسنّة ، وإلّا لمنعت الشريعة عن الانسياق مع ذلك الميل العامّ وردعت عنه في نطاقها الشرعي . والاستدلال بالسيرة العقلائية يقوم على أساس تجميع القرائن ، كما رأينا سابقاً في سيرة المتشرّعة أيضاً ؛ لأنّنا إذا حلَّلنا السيرة العقلائية إلى مفرداتها وجدنا انّ الميل العامّ عند العقلاء نحو سلوكٍ معيَّنٍ - كالأخذ بالظهور مثلًا - يعبّر عن ميولٍ متشابهةٍ عند عددٍ كثيرٍ من الأفراد تشكِّل بمجموعها ميلًا عاماً ، وحين نأخذ فرداً من أولئك الأفراد الذين يميلون إلى الأخذ بالظهور - مثلًا - ونلاحظ سكوت المولى عنه وعدم ردعه له عن الجري وفق ميله يمكننا أن نعتبر سكوت المولى هذا قرينةً ناقصةً على حجّية الظهور عند المولى ؛ لأنّ من المحتمل أن يكون هذا السكوت نتيجةً لرضا المولى وموافقته ، وهذا يعني الحجّية . ومن المحتمل في نفس الوقت أيضاً أن لا يكون السكوت ناتجاً عن رضا المولى بالأخذ بالظهور ، وإنّما سكت عن ذلك الفرد - بالرغم من أنّه لا يقرّ العمل بالظهور في الأدلّة الشرعية - لسببٍ خاصٍّ ، نظير أن يكون المولى قد اطّلع على أنّ هذا الفرد لا يرتدع عن العمل على وفق ميله ولو ردعه ، فتركه وشأنه ، أو أنّ المولى قد اطّلع على أنّ هذا الفرد سوف لن يجري على وفق ميله ، ولن يأخذ بالظهور في الدليل الشرعي دون سؤالٍ من الشارع ، أو أنّ هذا الفرد لن يصادفه ظهور في النطاق الشرعي ليحاول الأخذ به وفقاً لميله . . . ، إلى غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تفسِّر سكوت المولى عن ذلك الفرد وتجعل منه قرينةً ناقصةً لا كاملة على رضا المولى . ولكن إذا أضيف إلى ذلك فرد آخر له نفس الميل وسكت عنه المولى فيقوى احتمال الرضا ؛ لاجتماع قرينتين ، وهكذا يكبر هذا الاحتمال حتى يؤدّي إلى العلم حين يوجد ميل عامّ ويسكت عنه المولى .