الشيخ الأنصاري
595
مطارح الأنظار ( ط . ج )
والجواب عنها : أولا : أنّ المراد بالنفر الواجب المشتمل عليه الآية إنّما هو النفر إلى الجهاد بقرينة قوله تعالى قبلها : ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) « 1 » ومن المعلوم أنّ المقصود من النفر إلى الجهاد ليس هو التفقّه والإنذار حتّى يجبان فيجب لأجل وجوبهما الحذر ، نعم قد يترتّبان عليه لما فيه من مشاهدة آيات اللّه وغلبة أوليائه على أعدائه وسائر ما يشتمل عليه حرب المؤمنين مع الكفّار ممّا يوجب قوّة الإيمان وتأكّد اليقين ، فيحصل بسببها بصيرة لهم في الدين فيخبرون بما شاهدوه قومهم المتخلّفة « 2 » إذا رجعوا إليهم ، فيكون التفقّه والإنذار المشتمل عليهما الآية من قبيل الفوائد المترتّبة على فعل الواجب لا الغاية حتى يجب بوجوب ذيها . وثانيا : بأنّا لو سلّمنا كون المراد بالنفر الواجب هو النفر للتفقّه لا للجهاد ، أنّ المراد بالتفقّه هنا هو أخذ الأحكام من الحجّة ، ويحتمل الروايات ، فالحذر الواجب ما كان عقيب الإنذار بطريق الرواية لفظا أو معنى ، فلا دلالة فيها على وجوبه عقيب الإنذار بالفتوى ؛ ولذا تمسّك الأصحاب بهذه الآية على حجيّة الخبر ، والدليل على ذلك أمران : أحدهما : أنّ الاجتهاد لم يكن متعارفا زمن نزول الآية ، بل المتعارف فيه إنّما هو الرجوع إلى الحجّة ، فتحمل الآية على الغالب المتعارف ، وربما يؤيّده بآية « 3 » النفر ، فانّ الظاهر منها النفر إلى الحجّة خاصّة ، فلا يندرج فيها النفر إلى الرواة للاجتهاد .
--> ( 1 ) التوبة : 122 . ( 2 ) كذا في الأصل . ( 3 ) كذا ، والمناسب : وربما يؤيد بآية . . . ، أو : يؤيّده آية . . . .