الشيخ الأنصاري
410
مطارح الأنظار ( ط . ج )
ليس أحدها في سلسلة طول الآخر ، بل الكلّ في عرض سواء . بخلاف الأحكام الشرعيّة ، فإنّها ربما يكون أحد الموضوعين فيها في عرض الموضوع الآخر - كالحاضر والمسافر - وقد يكون مرتّبا على الآخر كما في أصالة البراءة على ما سيجيء تحقيقه - إن شاء اللّه - والأحكام الظاهريّة إنّما تتصوّر فيما إذا كان أحد الموضوعين مرتّبا على الآخر . مثلا حكم العقل بحرمة الظلم حكم واقعيّ وحكمه بحرمة الضرب فيما إذا شكّ في حصول التأديب أيضا حكم واقعي وإن حصل التأديب ، ومثله في الشرعيّات يسمى بالحكم الظاهري ، فإنّ للشيء مع قطع النظر عن العلم والجهل حكما مخزونا في الشرع . وأمّا الأحكام العقليّة ، فموضوعاتها لا تحصل إلّا بعد العلم والإرادة ، حيث إنّ الكلام - على ما عرفت - إنّما هو في الحكم التابع للحسن والقبح اللاحقين للأفعال « 1 » الاختياريّة التي لا تصير اختياريّة إلّا بعد العلم والإرادة ، فما لم يقصد حصول عنوان لم يحصل على وجه يتّصف بالحسن والقبح وإن وقع ما هو القبيح أو الحسن في الواقع ، كالتأديب المترتّب على الضرب فيما لم يكن مقصودا وقتل النبيّ المترتب على الصدق إذا لم يكن الصادق مريدا له في صدقه . والسرّ في جميع ذلك هو ما عرفت في المقدّمة الممهّدة : من أنّ مناط الانقسام إلى الحكمين هو إمكان جعل الأحكام الشأنيّة وعدم وصولها إلى المكلّف ، فيمكن أن يقال : إنّ للشيء مع قطع النظر عن الجهل حكما ومن حيث هو مجهول حكما آخر . بخلاف الأحكام العقليّة ، فإنّ الشأنيّة فيها غير معقول ، لامتناع ذهول النفس عنها ، كما لا يخفى .
--> ( 1 ) كذا ، والظاهر : اللاحقين بالأفعال .