الشيخ الأنصاري
613
مطارح الأنظار ( ط . ج )
ولا ريب في أنّ الثاني ممّا لا يجوّزه العاقل ، فاللفظ الوارد في مقام الأمر والنهي وإن كان مفاده لغة تعلّق الأمر بالطبيعة والنهي بطبيعة أخرى ، وهذا الموضوع ممّا يجوّزه العقل ، إلّا أنّ المنساق منه في العرف هو تعلّق الأمر والنهي بالفرد لا بالطبيعة ، وبعد استفادته من اللفظ ، فلا إشكال في الحكم بعدم الجواز عقلا أيضا في هذا الموضوع . فظهر أيضا أنّ نسبة عدم الجواز إلى العرف ليس إلّا بواسطة استفادة العرف موضوعا من اللفظ الوارد في مقام الأمر والنهي يحكم فيه العقل بالامتناع ، وليس المراد هو أنّ العرف حاكم بعدم الجواز في مقابل العقل ، كما ظنّه بعض عوام الطلبة . وبالجملة ، فالحاكم دائما هو العقل ، والعرف أيضا لا يمكن تخلّفه عن العقل من حيث الحكومة . نعم ، ليس العقل مستقلّا في كيفيّة استفادتهم المطالب من الألفاظ ، بمعنى عدم الاكتفاء به فيها ، بل لا بدّ مع ذلك من العلم بالوضع وكيفيّات الاستعمالات في الموارد الخاصّة المستندة إلى القرائن المقاليّة والشواهد المقاميّة ونحوها . وأمّا في غير هذه الجهة فلا مجال لغير العقل فيها ، كما يظهر في الحكم بالمجاز والتخصيص والتقييد ، كما في قولك : « رأيت أسدا يرمي » فإنّ العرف بعد استفادة معنى « الأسد » حقيقة واستفادة معنى « يرمي » يحكمون بواسطة عقولهم بالتناقض والتعارض بين المرادين ، ثمّ يستخرجون المراد منهما بتقديمهم الظهور الثابت في القرينة على الظهور الناشئ من الوضع لكونه أظهر منه . وهذه هي الطريقة المستقرّة في استخراج المطالب من العبائر واستكشاف المرادات من الضمائر ، وذلك نظير ما قلنا في بحث المقدّمة عند الاستدلال على وجوبها بعدم جواز التصريح بجواز تركها ، حيث إنّ المنساق من التصريح المذكور عرفا هو جواز الترك من كلّ الحيثيّات ، والمقصود جواز تركها من حيث نفسها ، فلا يمكن التصريح به لأجل هذه الحزازة ، لا من حيث إنّ المقدّمة واجبة .