الشيخ الأنصاري
25
مطارح الأنظار ( ط . ج )
فإذن ، العلماء معادن الحكمة وتراجمة الأوحاء « 1 » وأسفاط الفضيلة ومستودع الأنباء ، احتجّ اللّه بهم على العباد في دار الدنيا ويوم التناد . فقاموا بما استحفظوا - كثّر اللّه أمثالهم - خير القيام ، وقعدوا في تدوينه - شكر اللّه سعيهم - عن طيب المأكل والمنام ، وصبروا في نشره على الأذى والآلام ، وحسروا عن ذراع الهمّة لتمكين الخلائق في الحلال والحرام ، فتناولوه يدا عن يد ، وتداولوه واحدا بعد أحد . فلم يزل ذلك دأبهم من قديم الزمان وديدنهم في كلّ وقت وآن ، حتّى انتهى الفضل إلى خاتمة المجتهدين ، وانحصر العلم في رأس الملّة والدين ، مرجع العلماء المحقّقين ، وفخر الفقهاء المتبحّرين ، معقل الأنام وكهف المسلمين والإسلام ، الكاشف بسنا أنواره غياهب الظلام عن وجوه الأحكام ، طود التقى ، بحر النهى ، ملاذ الورى ، علم الهدى ، مرتضى المصطفى ، مصطفى المرتضى ، مولى العصابة وعبد الباري ، المهاجر إلى الحقّ مرتضى الأنصاري ، أجزل اللّه في الدارين مثوبته ، ورفع في العلّيين [ درجته ] « 2 » . فارتقى في العلم مرتقى لم يسبقه الأوّلون ، واحتوى في الفضل رتبة ما أدركه الآخرون ، وفاز بمقام يغبطه العالمون ، فشخصت إليه الأبصار ، ورنت لديه الأنظار ، ومدّت نحوه الأعناق ، وألمت عنده الآفاق ، وأنيخت بفنائه الركاب ، وأحدقوا به من كلّ باب ، روما للاغتراف من لجج بحاره ، وميلا للالتقاط من درر نثاره ، وطمعا في الاستنارة بتألّق أنواره ، وحرصا على اقتناء « 3 » آثاره ، فامتلى كلّ إناء قدر ما وعاه ، وحكى كلّ زجاجة ما حاذاه ، ربّيون كثير ما وهنوا عن تناوش جداه .
--> ( 1 ) كذا ، فإنّ جمع « وحي » ، هو « وحيّ » بكسر الحاء وتشديد الياء ، لا « أوحاء » كما جاء في الخطبة . ( 2 ) الزيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) في « ط » بدل « اقتناء » : « الثناء » ، والمناسب ما أثبتناه .