الشيخ الأنصاري
149
مطارح الأنظار ( ط . ج )
احترازهم عن النجاسات في المياه الموجودة عندهم والأطعمة واللحوم وغير ذلك ، فإنّه لو كانت تلك الأمور - من النجاسة والحلّية والحرمة - أمورا واقعيّة لا مدخل للعلم والجهل فيها لزم فساد عباداتهم في الواقع من جهة عدم اجتماع الشرائط الواقعيّة فيها . ولكنّ الإنصاف : أنّ التزام مثل ذلك بعيد في الغاية ، كيف ! وجلّ الأدلّة بل كلّها ممّا ينافي ذلك ، كما هو غير خفيّ على المتتبّع العارف بموارد الكلام ، كما أومأنا إليه فيما تقدّم « 1 » . والأدلّة القائمة في المشكوكات صريحة على ثبوت الواقع عند الشكّ . وأمّا الاستناد إلى سيرة الأئمّة ، فلا يجدي شيئا في المقام ؛ فإنّ المعلوم من ذلك هو ابتلاؤهم بالموضوعات المشكوكة عندنا ، ولا دليل على ارتكابهم عليهم السّلام للمحرّمات الواقعيّة حتّى يدفع بما ذكر : من أنّ الأحكام المذكورة مترتّبة على العلم بها من وجه خاص ، وإلّا فلو قيل بأنّها من أحكام مطلق العلم أيضا لم يكن لما ذكر وجه على تقدير القول بإحاطة علمهم عليهم السّلام فعلا لجميع الموضوعات وأحكامها . فعلى هذا يحتمل عدم وقوعهم في المحرّمات الواقعيّة إمّا بدعوى العلم بها ، وإمّا بواسطة أنّهم عليهم السّلام مؤيّدون بالتأييدات الإلهيّة ومسدّدون بالتسديدات الربّانيّة محفوظين عن الوقوع في الأمور الدنيّة ، فما يرتكبونه وإن كان في أنظارنا من الموارد المشتبهة إلّا أنّه في الواقع من الموضوعات التي يجوز ارتكابها . وأمّا قول الأمير عليه السّلام « 2 » ، فدلالته على ثبوت النجاسة الواقعيّة عند عدم العلم أظهر من دلالته على انتفائها عند عدم العلم . نعم ، يظهر منه ما يفيد النجاسة للصلاة عند العلم ، وأين ذلك من ارتفاع موضوعها عند عدم العلم ؟ ويؤيّد ما ذكر بعض
--> ( 1 ) راجع الصفحة 140 وما بعدها . ( 2 ) المراد قوله عليه السّلام : « ما أبالي أبول وقع عليّ أم ماء إذا لم أدر » .