السيد محمد الموسوي البجنوردي

68

مصادر التشريع عند الإمامية والسنة

على هذا فإن حجية العلم ذاتي وحجية كل شيء تنتهي بالعلم « إليه تنتهي حجية كل حجة » . ولما كانت الحجية ملازمة للجزم والعلم ، فلا شك في حجية القياس المنطقي . والقياس في اصطلاح الفقهاء عبارة عن حكم الفقيه بمشابهة مجهول الحكم لمعلوم الحكم في حكمه « التمثيل المنطقي » . وفي هذا القياس فإن سريان الحكم من معلوم الحكم إلى مجهول الحكم ليس مصحوبا بالكشف القطعي لعلة الحكم . بل يكتفي فيه بالظن فحسب . وبطبيعة الحال فإن العقل إذا أدرك العلة الحقيقية للحكم ووجد اليقين علة جعل الحكم ، أو أن الشارع المقدس صرّح بعلة جعل الحكم ، وعثر العقل على تلك العلة في مجهول الحكم ، وجعل الحكم يسرى إليه ، فذلك أمر خارج عن موضوع القياس الفقهي . فمثلا لو أن المقنّن قال : لا تشربوا الخمر لأنه مسكر ، فقد بيّن أنّ علة تحريم شرب الخمر هي كونه مسكرا . وعلى هذا يمكن القول بصورة الكبرى الكلية ان كل مسكر حرام ، لذا فإن كان الفقاع مسكرا ، فإن الفقيه بتأليفه قياسا منطقيا من الشكل الأول : « الفقاع مسكر ، وكل مسكر حرام ، إذن الفقاع حرام » ، يحكم بحرمته . ويطلق على قياس كهذا في المصطلح : قياس منصوص العلة . وقد قبل فقهاء الشيعة هذا القياس . إلا أننا إذا جعلنا حكم « معلوم الحكم » يسري إلى « مجهول الحكم » لمجرد تشابه موضوعين ، كان لدينا ظن باشتراك الحكم في موضوعين ، وعممنا الحكم استنادا إلى ظننا . وهذا هو القياس الفقهي الذي له دليل ظني . ونحن نعلم أن الظن بما هو ظن ليس حجة « إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » . والأصل أيضا هو عدم حجية الظن ، إلّا أن يكون الشارع المقدس قد قام بجعل الحجية وهو ما يطلق عليه اصطلاحا الجعل التأليفي . لذا واستنادا إلى « أصالة عدم حجية كل ظن إلا ما خرج بالدليل » .