السيد الخوئي
26
مصابيح الأصول
الانسان ، بل مطلق الحيوان ، بطبعه وجبلته ، بل الوضع وسيط بين الامرين ، فان اللّه سبحانه وتعالى يلهم الانسان قوة النطق وفهم الالفاظ ، فينبعث - بتلك القوة التي منحها اللّه تعالى إياه - إلى جعل الالفاظ للمعاني المعهودة طمعا في تحصيل غرضه ، وهو التفهيم والتفاهم بين سائر افراد البشر ، كما دل عليه قوله تعالى : ( الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) وعلى هذا نجد الأطفال ينبعثون - بدافع الالهام الإلهي - إلى التعبير عن مقاصدهم بألفاظ خاصة ، وهذا امر صادق يدل على أن الواضع للغات هو اللّه تبارك وتعالى ثم أيد ( قده ) مطلبه بأمرين : ( الأول ) - ان الالفاظ والمعاني من الكثرة بمكان لا يمكن ان يتصورها جماعة ، فضلا عن شخص واحد . ( الثاني ) - لو كان هناك واضع مخصوص ، لنقل لنا التاريخ اسمه نقلا متواترا أو آحادا ، مع أن التاريخ لم يحدثنا بذلك . واما ما ورد على الألسنة من أن الواضع يعرب بن قحطان . فأمر ليس بثابت . و ( الجواب عن ذلك ) ان ما ادعاه ( قده ) - من وجود امر متوسط بين التكوين والتشريع - غير ثابت ، إذ الموجود الخارجي إما أن يكون أمرا واقعيا لا يدور تحققه مدار الاعتبار ، فهو تكويني . وإما ان يكون أمرا جعليا يدور مدار الاعتبار ممن بيده الاعتبار ، فهو تشريعي ، فالواسطة منتفية واما دعوى الالهام فمسلّم ، كما جاء ، في قوله تعالى : ( عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) ولكنه غير مختص بالوضع ، بل يشمل أمورا كثيرة : ( منها ) - ان اللّه تعالى يلهم الانسان ببناء دار له ليستقر فيها ، كما ويلهمه بحياكة ثوب له