السيد الخوئي

27

مصابيح الأصول

ليلبسه ، فيتقى به من البرد مثلا وهكذا في سائر الأمور ، بل لا اختصاص في ذلك بالبشر خاصة ، فان الحيوان يلهم في افعاله ، وقد يكون إدراكه في بعض الموارد ارقى من إدراك البشر : فالطفل الصغير قد لا يخشى من الحية حين يراها تمشى على الأرض ، بخلاف الفارة ، فإنها حين تجد هرة امامها تفر منها لتنقذ حياتها . وهذا إلهام الهى كما قال تعالى سبحانه : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ) . ثم إن الوضع وليد الحاجة بين طبقات البشر ، لغرض التفاهم وسير حركة الحياة ، وهو يختلف باختلاف الأمم والزمان ومقدار الحاجة اليه ، فالمجتمع المتألف من افراد لم تدخل إليهم الحضارة هو مجتمع بدائى ينطوى على نفسه لا يحتاج إلى الأمور الأساسية من الحياة ، فهو يقتصر على اصطلاحات يضعها لنفسه تمشيا مع مقتضيات حاجاته الضيقة . اما المجتمع الحضارى الذي يتغير ويتطور مع الزمن ، فان أسباب المشاكل الاجتماعية والآلات الحضارية تقتضى ان يخلق ألفاظا واصطلاحات وتعاريف تتلاءم التطورات التي تقتضيها تلك التغيرات ، فلقد عثرت الدراسات على أطفال عاشوا مع الحيوانات ، فعند ما حاولوا دراستهم وطبيعة حياتهم رأوا انهم يمشون على اثنين ، ولكنهم لا ينطقون بلسان متعارف ، وإنما افترضوا لهم لغة خاصة لا يفهمها إلا من عاش عيشتهم . من هذا نستطيع ان نفهم ان المجتمع - لحاجته - هو الذي يضع الالفاظ المقتضية لطبيعة العصر ، لان الحاجة كما يقولون أم الاختراع ، فالبدوى - الذي يقضى حياته في الصحراء - لا يحتاج إلا إلى مجموعة خاصة من الالفاظ التي تتطلبها حياته البدوي ، بينما نرى الذي يعيش في القرى والأرياف أكثر حاجة من هذا البدوي وأوسع لغة ، لتطور حياته نسبيا ، وهكذا كلما تطورت الحياة وتكثرت