أبو الحسن الشعراني

219

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

الكلام في علم الكلام وإن بحث عنه العلّامة رحمه اللّه وغيره في الأصول أيضا . « أدلّة الأحكام غير نفس الأحكام » وهو واضح إذ يجوز إقامة دليل ونصب أمارة لمن هو معدوم حين النصب حتى يطلع عليه بعد الوجود ، ولكن لا يجوز تكليف المعدوم كما مرّ ، فالأدلة الشرعية بالنسبة إلينا ليست خطابات وأحكاما ، بل أدلة على الأحكام ، وإنما تصير أحكاما بعد حصول شرائط التكليف فينا واطلاعنا عليها وعلى حصول أسبابها كالدلوك لصلاة الظهر والاستطاعة للحج ، ولا يجوز أن يتوهم أحد أن العلم بالحكم يتوقف على ثبوت الحكم قبل العلم به ، لأن هذا باطل ، وإنما يتوقف على ثبوت الدليل والسبب قبل العلم حتى يصير بعد العلم حكما . فرق آخر وهو أن الدليل واحد بالنسبة إلى الجميع والحكم متعدد بتعدد الأفراد والأوقات . والدليل يمكن أن يكون مفادا للقضية الخبرية والحكم مفاد الإنشاء . والحاصل أن المكلف بعد علمه بحصول الأسباب كدلوك الشمس للصلاة والزنا للحد والاستطاعة للحج يجب عليه أن يفرض كأن المولى حاضر يخاطبه الآن بمضمون الدليل ، وأما قبل السبب فالدليل لا يوجب تكليفا متوجها إليه وسيأتي لهذا تتمة في تضاعيف المسائل الآتية . فرق آخر قد يدل بأدلة كثيرة على حكم واحد كالعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين فإذا أمر أولا بالصلاة ثم أمر بالوضوء لها ثم بالتكبير والقراءة فيها فجميع هذه الأدلة كاشفة عن حكم واحد