أبو الحسن الشعراني

94

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

إن القرء في أصل اللغة هو الانتقال من إحدى الحالتين إلى الأخرى فاستعمل في كل واحدة من الحالتين بعلاقة المجاورة . وكذلك « عسعس » هو الانتقال من النور إلى الظلمة أو العكس . والحق ما ذكرناه من أن في اللغة العربية ألفاظا مشتركة بين معنيين متباينين ، وإن كان بينهما جامع فلا يستعمل الكلمة فيهما بعنوان الجامع ، بل بعنوان الخصوصية . وبإزاء هؤلاء قوم أوجبوا الاشتراك في اللغة ، ومعنى الوجوب هاهنا ليس الوجوب الفلسفي أعنى وجوب الوجود الذاتي أو الغيري ، بل بمعنى اقتضاء المصلحة اللغوية . قالوا : إن المعاني غير متناهية - كما ذكرنا نحن سابقا في باب أنه لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ - والألفاظ متناهية ، إذ هي مركبة من الحروف الثمانية والعشرين ، وأجابوا عنه بوجوه : الأول لا نسلم أن المعاني غير متناهية وهو ضعيف . الثاني أن المعاني غير متناهية ، لكن لسنا محتاجين إلى التعبير عن جميعها فإنا عاجزون عن تصور أمور غير متناهية فلا حاجة إلى اللفظ . وأيضا نتصور معاني لا حاجة لنا إلى التعبير عنها ، أو الحاجة إليها قليلة ، أو نكتفي في التعبير عنها بالتراكيب والإضافات ، فإن الألفاظ الموضوعة لمراتب العدد اثنا عشر لفظا ونعبر عن كل عدد نريد بالتركيب ، ونعبر عن كثير من الألوان والروائح بما تضاف إليه . ثم نقول : الحروف ثمانية وعشرون ، وإن فرضنا أن جميع كلمات العرب ثلاثية ، وأن الحرف الأول يحتمل الضم والفتح والكسر ، والحرف الثاني يحتمل أربعا هذه الحركات والسكون ، والحرف الآخر لا يتغير المعنى بتغير حركاته ، فيحتمل الحرف الأول أربعا وثمانين احتمالا حاصلة من ضرب الثلاثة في ثمانية وعشرين ،