أبو الحسن الشعراني
93
المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه
اللغة وجدنا الكلمات التي يذكر لها معان متعددة مشتركة في خصوصية توجد في جميعها . مثلا معاني لفظ « العين » مشتركة في كونها جميعا ذات ترجيح وفضيلة على ما معه ، فالباصرة في أعضاء الإنسان ، وعين الشمس في الكواكب ، وأعيان البلد في سائر أهلها ، وكذلك سائر المعاني وسائر الألفاظ الذي توهم اشتراكها . أو نقول : استعملت في بعض المعاني مجازا ثم كثر استعمالها حتى صارت منقولات . ويؤيده أيضا قول بعض أهل اللغة بعد ذكر معاني بعض المواد : أن الباب يدل على كذا . مثلا مادة « جلف » تدل على الناقص أو الخالي عن الفائدة كالرجل الأحمق القسي القلب ، والنخل الذكر الذي لا يثمر ، والخبز بدون الإدام ، والإناء الخالي . والسنة الجالفة هي القحط ، والطعنة الجالفة هي التي لا تنفذ إلى الباطن ، إلى غير ذلك . ومع ذلك فهذا القول ضعيف فإن العبرة بالاستعمال المتداول بين فصحاء العرب ، ولا ريب في أنهم يستعملون كلمة واحدة ويريدون بها معنى خاصا ثم يستعملونها ويريدون بها معنى خاصا آخر بلا اعتبار جامع مشترك بينهما ، وبلا اعتبار مناسبة بينه وبين معنى آخر ، وتتبع موارد استعمالها يحقق ذلك ، فإن فرضنا أن لفظ العين أو الجلف في زمان من الأزمنة السالفة كانا بحيث يفهم منهما معنى واحد مشترك بين المعاني التي تراد وتفهم منهما في هذا الزمان أو مناسب لها فنقول : كان تلك اللغة غير هذه اللغة العربية . وقالوا في دفع هذا القول : إن لفظ « القرء » مشترك بين الطهر والحيض ، وهما متباينان لا جامع مشتركا بينهما ، وكذلك لفظ « عسعس » مشترك بين أقبل وأدبر ولا جامع بينهما لكونهما ضدين . وللقائل المزبور أن يجيب بأن تصور الجامع فيها أيضا ممكن ، وإن كان أخفى كما قد يقال