المحقق الداماد

280

المحاضرات ( مباحث اصول الفقه )

امتثال العبد ، وحينئذ فله ان يأمر بالصلاة وبالإزالة ، وبأمره يستكشف وجود الملاك في كل منهما فيحكم العقل بالتخيير . وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فان المفروض ان لقول العادل : هذا واجب ، لازما وهو عدم وجوب الآخر ، ولقوله : ذاك واجب ، لازما وهو عدم وجوب هذا ، فوجوب كل منهما يستلزم باللزوم العقلي عدم وجوب الآخر . والمفروض أيضا ان معنى حجّية الطريق حجّية في تمام مدلوله من المطابقي والالتزامي ، فجعل حجية كل واحد من الطريقين انما يعقل إذا لم يجعل الآخر حجة ، فللشارع اما جعلها لهذا دون ذاك أو لذاك دون هذا ، وليس له جعلها لكلاهما ، وهذا معنى وقوع التزاحم بحسب مقام الجعل . وحينئذ فإن كان أحدهما أهم وكان الأهمية بالمقدار الملزمة يتعين جعله وإلّا فلا ، وحيث إن مفاد دليل الاعتبار الحجّية ، يقع لا محالة التكاذب في الظهورين وهو يوجب سقوط كلا الطريقين عن الحجية ، من دون الفرق بين ان يكون جعل الحجية بملاكه للسببية أو الطريقية . والحاصل ان كلما يقع التزاحم في مقام الجعل بان كان جعل الحجية لاحد الطريقين المتزاحمين متوقفا على عدم جعلها للآخر وبالعكس ، يحكم بسقوط كلا الطريقين عن الحجية ما لم يكن لأحدهما مزية ، وأمثلته كثيرة عليك استقصاءها بعد وضوح الضابط ، ومثاله في جعل نفس الاحكام ما لو كان ملاك الوجوب مثلا موجودا في موضوع وكان ملاك الإباحة أيضا موجود فيه ، فان الشارع ينظر ان كان لاحد الملاكين مزية على الآخر وكان المزية بحد الالزام يتبعه حكمه ، وإلّا بان كان الملاكان على حد سواء أو كانت المزية غير بالغ حد اللزوم لا يحكم بشيء أصلا ، بل يطلق الموضوع ويرسله مهملا ، وهذا هو المعبر عنه بالإباحة لا عن اقتضاء ، فافهم واستقم . وبذلك كله تحصل ان الفرق بين القول بالسببية والطريقية لا وجه له أصلا ، بل الأصل التساقط مطلقا ، واللّه العالم بحقائق الأشياء .