الشيخ محمد تقي الفقيه

54

مبانى الفقيه

ثالثها : ما ورد من الأخبار المتواترة معنى من النهي عن التفسير بالرأي كقوله ( ع ) : من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار . وفيه : أن الظاهر لا يحتاج إلى تفسير ، فإن التفسير كشف القناع ولا قناع للظاهر ، فإن ما يتساوى فيه الاحتمالان ويحتاج إلى ترجيح أحدهما ، وما لا

--> وهي مصادرة جلية ، فإن هذا المتوهم يدعي وجود الفرق وكان عليه إقامة البرهان ، وخصمه ينكر ذلك ويقيم عليه البرهان مدعيا وجود العلم الإجمالي ووجود احتمال المناقضة فيهما على السواء ، وذلك واضح . والثانية : أنه لا ريب أنه لا يجوز الرجوع للأصول إلا بعد الفحص عن الدليل ، وحدّ الفحص اليأس من الدليل ، ونتيجة اليأس الظن بعدمه ، فإذا فحص المجتهد عن حكم واقعة فيما بين أيدينا من الأدلة ولم يجد فيها نصا رجع في حكمها إلى الأصول . وقد أوردوا على من استند في وجوب الفحص إلى العلم الإجمالي بأصل التكليف ، أو بوجوده فيما نبتلي به من الوقائع ، أو بوجوده فيما بين أيدينا من الأدلة ، إيرادا لا مفر منه وهو : أن العلم الإجمالي إن كان منحلا بعد الفحص عن حكم الواقعة التي ابتلينا بها وفحصنا عنها ، فلا مقتضي لوجوب الفحص في بقية الوقائع مع أن وجوبه ضروري عند الفقهاء والعقلاء ، وإن لم يكن منحلا لم يجز إعمال الأصول في تلك الواقعة المفحوص عنها ، لأن العلم الإجمالي يمنع من جريانها إما لأنه علة تامة وإما للمعارضة . ودعوى انحلال العلم الإجمالي بالنسبة للواقعة المفحوص عنها خاصة ممنوعة ، فإن الفحص إذا استوجب العلم بحكمها أو العلم بأنه لا حكم لها فيما بين أيدينا من الأدلة على الأقل ، خرجت عن دائرة هذا العلم الإجمالي ولم يكن من الأطراف المشتبهة وكان العلم الإجمالي بالنسبة لها منحلا حقيقة ولم تكن موردا للأصول ، ولكن الفحص الموجب للعلم بذلك متعذر بالضرورة والمقدور منه الفحص الموجب لليأس من العثور على دليل يتعلق بها فيما بين أيدينا ، وحينئذ تجري الأصول بلا معارض ، والسبب في ذلك أن العلم الإجمالي المذكور ينجز وجوب الفحص المقدور لا غير ، وبعد اليأس يكون قد قام بما وجب عليه ، وحينئذ يرى الفقيه نفسه عاجزا عما زاد عن ذلك ، ومع اعتقاده بعجز نفسه عنه يكون تكليفه به تكليفا بغير المقدور . هذا ما يتعلق بما نحن فيه .