الشيخ محمد تقي بهجت
26
مباحث الأصول
المقدّمة لها ملاك النفسيّة أيضا ، فلا فرق في الكشف عن إيجابها بين تكليف غيري متعلّق بمقدّمتها ، أو نفسي متعلّق بذيها . وعليه : فحال التكليف النفسي مع الغيري ، كحال إرادة الإلقاء في النار وإرادة الإحراق في الكشف عن كلّ منهما بمعلوميّة الأخرى ، لمكان العلم بمناط الكشف ، وهو العلّيّة والمعلوليّة ؛ فلا يمكن الالتزام بثبوت أحد الكشفين - وهو المعلول عن العلّة - دون الآخر ، وهو كشف العلّة عن المعلول . فلا يمكن أن يقال : إنّ الالتزام بالكشف عن التكليف النفسي ، لمكان اللغويّة المنتفية في العكس ؛ فإنّ اللّازم عدم المعقوليّة للمعلول بلا علّة ، لا اللغويّة ، فذلك اللازم حاصل في العكس ؛ فإنّ العلّة بلا معلول ، محال ، لأنّ عدم المعلول مع وجود العلّة ، كوجود المعلول مع عدم علّته في الاستحالة الوقوعيّة . وممّا ذكرنا ظهر : أنّ وجوب المقدّمة شرعي معلولي ، لا عقلي إرشادي ؛ فإنّه بمعنى إظهار العقل رشد العبد في شيء له آثار وتبعات من قبل ذي المقدّمة الواجبة فرضا . ولا يكون حاصله سوى أنه يهلك إن ترك ذا المقدّمة بتركها ؛ بل الإرشاد إلى الشرطيّة ممكن في مثل إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا « 1 » إلّا في مثل « صلّ » الكاشف عن التوضّؤ للصلاة . وليس المتنازع فيه العقلي المولوي ؛ فإنّه - على تقدير صحّته - لا يكشف عن الشرعي هنا ، لما تقدّم من أنّه مستغنى عنه ، ولو كشف في غير المقام . ولا اللابديّة العقليّة إذا فسّرت بمعنى المقدميّة ، بل حتّى على الوجوب الشرعي ، ولا الوجوب المجازي المنسوب إلى ذيها حقيقة ؛ فإنّ وجوبها تبعيّ لا عرفيّ ؛ فالمتنازع فيه وجوب شرعي ، لولا الاستغناء عنه ، لما التزم بعدمه . ولولا لزومه للحاصل ، لما قيل بوجوده قبله ، فتدبّر .
--> ( 1 ) المائدة : 6