الشيخ محمد تقي بهجت
104
مباحث الأصول
الشارع موقعه . وحيث إنّ المفاسد والمصالح بوجوداتها الواقعيّة - ولو كانت معلومة ، فضلا عن صور الاحتمال ولو كان العلم بها بسبب إرشاد الشرع وبيانه - غير كافية في نوع النفوس البشريّة إلّا من علم اللّه تعالى منهم العصمة ، وهم من البشر جسما ومن الملك روحا ، كان اللطف الواجب على الحكيم مقتضيا للبعث بالإيجاب ، وللزجر بالتحريم ؛ وحيث إنّهما بمجرّدهما ، لا يفترقان عن الإرشاد المحض ، اقتضى اللّطف تكميل الإحسان بجعل الحقّ للمطيع في الثواب ، وعلى العاصي في العقاب ، وإلّا كان مفوّتا تشريعا للمصالح الدائميّة وغير مبال بوقوع من خلقهم للرحمة في المفاسد الدائميّة ؛ فوقوع الفعل أو الترك - بعد عمله تعالى بحكمته التامّة ورعايته للمصالح والمفاسد وموجباتها من قبله وفي عالم التشريع وتكميله ورعايته للمصالح والمفاسد وموجباتها من قبله وفي عالم التشريع وتكميله للحجّة على العبد - يكون موجبا بالفعل ، لاستحقاق الثواب تارة ، والعقاب - وضعا أو رفعا - أخرى . ومنه ظهر : أنّه يكفي في الاستحقاق وقوع ما يستحقّ به ببعث المولى وتسبيبه ، كما في الإجراء ؛ وأنّه يكفي فيه الإضافة الخاصّة الموجبة لتحقّق التسبيب ؛ وأنّه لا ربط لذلك بحسن العمل ذاتا أو بالوجه ، وإن كان الوفاء بمقتضى العبوديّة عدلا موجبا لاستحقاق المدح ، وتركه ظلما موجبا لاستحقاق الذمّ ؛ كما أنّ الإتيان بالمبعوث إليه بهذا الداعي انقياد ، وتعظيم موجب لمدح العقلاء ؛ لكن ذلك كلّه ، أجنبيّ عن الاستحقاق للأجر والثواب من الشارع ، بل هما موضوعه كون العمل أو الترك انبعاثا ببعث المولى وانزجارا بزجره ، ويجري ذلك في ما كان عبادة ذاتا أيضا ، لاجتماع ملاكين للعباديّة فيه ، بل يجتمع فيه ملاكان لاستحقاق مدح العقلاء ، وأمّا ملاك الثواب والعقاب من الشارع فواحد ؛ وكذا