السيد محمد كلانتر

46

دراسات في أصول الفقه

وجود الجوهر ، وليست من قبيل وجود الرابط ، فإنه لا ماهية له ، بل هو سنخ وجود متقوم بطرفين ، والمعنى الحرفي ليس من سنخ هذا الوجود ، كما هو واضح . فحينئذ يصح أن يقال : ان الحرف هو ما دل على معنى في غيره . وأورد عليه بأن المعاني الحرفية من قبيل الوجود الرابط والنسب ، وليست له نفسية أصلا ، وليست من سنخ الرابطي . إذ لو كانت من قبيل الوجود الرابطي ، لما كانت محتاجة إلا إلى طرف واحد ، كما في الاعراض الخارجية ، حيث إنها محتاجة إلى الطرف الواحد . وهذا بخلاف المعاني الحرفية ، فإنها تحتاج إلى الطرفين بحكم الوجدان . فكما ان النسب لا بدوان تكون بين شيئين ، فكذلك المعاني الحرفية لا بد وأن تكون بين شيئين - كما سيأتي تحقيقيه في القول الرابع . فما افاده القائل في تنظير الحروف بالاعراض الخارجية غير سديد . [ مختار بعض الأعاظم في المعنى الحرفي ] 4 - ما افاده بعض الاعلام . وحاصله هو ان المعاني الحرفية من نوع النسب والارتباطات القائمة بالطرفين . توضيح ذلك : ان قولك « سرت من البصرة إلى الكوفة » مشتمل على ثلاث دلالات : دلالة « السير » على الحدث المعين الصادر من السائر ، ودلالة « البصرة » على البلدة المعينة ، ودلالة « الكوفة » على البلدة كذلك . فهذه دلالات ثلاثة ، كل واحدة منها تدل على مفهوم خاص ويحكى عنه ، من غير ارتباط أحدهما بالآخر ، ومن دون دلالته على شئ زائد على تلك الدلالات . ولكن لما تقول « سرت من البصرة إلى الكوفة » يستفاد منه شيئان آخران زائدان على أصل تلك الدلالات الثلاث : أحدهما النسبة الابتدائية بين السير والبصرة المستفاد من كلمة « من » ، وثانيهما النسبة الانتهائية بين السير والكوفة والمستفاد من لفظة « إلى » . فهاتان النسبتان قد استفيدتا من هاتين الكلمتين ، بحيث لولاهما لما كان لهذه الجملة المركبة نسبة بين اجزائها ، ولا رابط يربط بعضها ببعض .