المقريزي

224

إمتاع الأسماع

وخرجه مسلم ( 1 ) من حديث جرير ، عن عمارة بن القعقاع ، عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله تبارك وتعالى عنه ، وكرراه من طرق ، وخرجه النسائي أيضا . ( 2 ) . وذلك كله من غير مجاهدة نفس ، ولا تكلف الهواجر ، [ ومقاساة ] شدة الظمأ ، ولا قيام ليل طويل ، ولا استغراق الأوقات في الذكر ، بل بإفاضة نور النبوة عليه ، قد استحال في أقل من طرفة عين هذه الاستحالة الشريفة وارتقى إلى أعلى مقام تتقاصر أعمال العاملين من بعده بأسرهم عن بلوغه . وأنت إن كنت ممن سلك طريق الله ، فإنك تعلم إن إجابة من إجابات الحق [ توازي ] عمل الثقلين ، هذا في حق الأتباع الذين سلكوا منهاج الصحابة وأما الصحبة ، فأين الثريا من يد المتناول هيهات أن يحصى الرمل ، أو يحصر القطر ، فالزم الأدب مع الحق ، وقف مع حذاك من العبودية ، [ وأد إلى كل ] إلى كل ذي حق حقه ، ولا تكونن من المعقدين فتردى أسفل سافلين ، وتعجز عن الوصول إلى منازل العارفين والله يهدي من يشاء بمنه . وهم مع هذه الفضائل الجمة ، قد برأهم الله تعالى ونزههم عن أن يماري أحد فيما يسمع من الكتاب والسنة أو يجادل فيه ، ولم يكن بينهم على ذلك بدعة ولا ضلالة ، وإذا صلى أحد منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات المفروضة ، أو حج واعتمر ، أو جاهد في سبيل الله من صد عن سبيله وكفر ، أو أدى زكاة ماله ، أو [ حض ] من يؤديها ، أو شاهد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ ، أغناه ذلك عن التكلف والدوب في طلب علم الفقه ، ومعاناة المشفقة في حفظه ودراسته . ولم يكونوا رضي الله تبارك وتعالى عنهم مع هذا محتاجين إلى تجربة ، ولا سلوك ، ولا رياضة ، ولا دخول خلوة ، ولا سياحة ، بل كانوا لمجرد رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم ، أو دعايته إياه إلى الإسلام ، يحصل له

--> ( 1 ) ( مسلم بشرح النووي ) : 13 / 27 كتاب الإمارة باب فضل الجهاد حديث رقم ( 106 ) . ( 2 ) ( سنن النسائي ) : 6 / 339 ، كتاب الجهاد ، باب ( 30 ) تمنى القتل في سبيل الله ، حديث رقم ( 3152 ) .