المقريزي

19

إمتاع الأسماع

قال موسى بن عقبة : فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجح ، وضع الأداة كلها : الجحف ، والرماح ، والمجان ، والنبل ، ودخلوا بسلاح الراكب : السيوف في القرب . قال ابن إسحاق : فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه ، وتحدثت قريش بينها : أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة ، فحدثني من لا أتهم ، عن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه قال : صفوا له عند دار الندوة ، لينظروا إليه وإلى أصحابه ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، اضطبع بردائه ( 1 ) ، وأخرج عضده اليمنى ، ثم قال : رحم الله امرؤا أراهم اليوم من نفسه قوة ، ثم استلم الركن ، وخرج يهرول ( 2 ) ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت منهم ، واستلم ( 3 ) الركن اليماني ، ومشى حتى استلم الركن الأسود ثم يهرول كذلك ثلاثة أشواط ، ومشى سائرها ، فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش ، للذي بلغه عنهم ، حتى حج حجة الوداع ، فلزمها فمضت السنة بها . قال موسى بن عقبة : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، أمر أصحابه فقال : اكشفوا عن المناكب ، واسعوا في الطواف ليرى المشركون جلدكم وقوتكم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكايدهم بكل ما استطاع ، فانكفأ أهل مكة ، الرجال والنساء ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وهم يطوفون بالبيت ، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متوشحا بالسيف ، وهو يقول : خلوا بني الكفار عن سبيله * إني شهدت أنه رسوله حقا وكل الخير في سبيله * نحن قتلناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله

--> ( 1 ) اضطبع : أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن وغطى به الأيسر . ( 2 ) الهرولة ضرب من السير ، فوق المشي ودون الجري . ( 3 ) في ( ابن هشام ) : " حتى يستلم " .