ابن أبي جمهور الأحسائي

69

كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال

أمّا التفسير : فلما عرفت من أن أكثر الأحكام مأخوذة من الكتاب العزيز ، وهو قد اشتمل على معاني متعددة ، وبطون متكثرة ، ومحامل عدّة ، بحث عنها أهل التفاسير . وتختلف الأحكام والتكاليف باختلاف أقاويلهم فيها ، فلا بدّ من الاطلاع على تلك التفاسير ، والمعرفة بأقوال المفسرين ، والعلم بأحوال تلك المعاني ، ليكون قادرا على الاستدلال ، واستنباط الحكم من الآيات القرآنية ، وبدونه لا يحصل ذلك . وأمّا الحديث : فلأنّ القرآن العزيز وإن اشتمل على كثير من الأحكام ، إلّا أنه غير ضابط لمجموعها ، ولا لمجموع فروع الشريعة ، وفي السنة النبوية والإمامية شيء كثير من الأحكام ، فلا بدّ من الاطلاع عليها ، والعلم بمآخذها ، والبحث عن صفاتها وحقائقها ، ليعرف تلك الفروع الدالة عليها تلك الأحاديث ، ليستغني عن الاستدلال عليها ، ويأخذ أحكامها منها ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله لمعاذ لما بعثه قاضيا إلى اليمن : « بم تحكم يا معاذ ؟ فقال بكتاب اللّه ، قال فإن لم تجد ؟ قال فبسنّة رسول اللّه » « 1 » . حكم صلّى اللّه عليه وآله بأنّ معاذا قد لا يجد الحكم في كتاب اللّه ، وقرّر معاذ أنّه يأخذه من سنّته عليه السّلام ، وأقرّه على ذلك ولم ينكره عليه ، فكان دالا على أنّ الحكم قد يكون في الكتاب ، وقد يكون في السنة ، وقد يكون فيهما ، فلا بدّ من معرفة السنة ، وهي : الأحاديث المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمة عليهم السّلام .

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه في ص 16 .