الشيخ محمد تقي الفقيه

256

قواعد الفقيه

ولأن الحكم الواقعي لا نهاية له من حيث الدوام والاستمرار إلا النسخ « 1 » ، ولأن الحكم الظاهري لا نهاية له من حيث الاستمرار إلا العلم بالواقع ومن أجل هذا يتعين كونه غاية لموضوع الحكم الظاهري ، ألا ترى أننا إذا علمنا بالقذارة ، ارتفع الشك ، وبزواله يزول الحكم بالطهارة ، وهذا هو معنى كونه غاية لموضوع الحكم الظاهري ، ثم إنه حكي عن صاحب الحدائق أنها دالة على أن موضوع النجاسة الواقعية هو النجاسة المعلومة ، فالخمر المعلوم النجاسة نجس ، والخمر إذا لم يعلم المكلف بنجاسته طاهر ، ومثله سائر الأعيان النجسة ، ويشهد له ظاهر قوله ( ع ) فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم أنه قذر فليس عليك شيء . وفيه : أن العلم ظاهر في الطريقية ، وأن العلم بالخلاف لا يصلح غاية للحكم الواقعي كما أسلفناه ، وأن ما حكي عنه لم يذهب إليه أحد من العلماء ، منذ عصرنا هذا إلى عصر أهل العصمة عليهم السلام مع أنهم كانوا يتلقون الأحاديث طبقة عن طبقة ، ويتدارسونها فيما بينهم ، ولو كان هذا المعنى مقصودا لما خفي عليهم . ولا ريب أن المنساق من أدلة النجاسات بأجمعها خلاف ذلك ، وأن النجاسات في مرتكز العوام فضلا عن العلماء عند جميع المسلمين قذارات واقعية أو معنوية قائمة في نفس الأعيان التي دل الدليل على نجاستها . ثم أن هذه القاعدة كسائر الأصول تكون محكومة للأصول المحرزة كالاستصحاب . فلو تصادقا موردا ، جرى الأصل المحرز ، ولم تجر هذه القاعدة ، سواء اتحدا نتيجة أو اختلفا ، لأن الأصول المحرزة تقوم مقام العلم ، فيكون موردها حينئذ داخلا في الغاية ، فإذا كان مشكوك الطهارة طاهرا سابقا ، كان الاستصحاب هو المرجع دونها ، وإذا كان نجسا سابقا ، استصحبت النجاسة ، وعمل عليها .

--> ( 1 ) وحقيقة النسخ في الأحكام هو بيان مدة اقتضائها ، ونتيجته التخصيص في الزمان ، وبهذا المعنى لا يستلزم البداء ولا الجهل ولا الاغراء .