السيد صدر الدين الصدر العاملي

10

خلاصة الفصول في علم الأصول

النّفر وجوب بعض غاياته ولا ريب في وجوب التّفقّه فيبقى وجوب الأنذار منفيّا بالأصل لأنا نقول ظاهر الآية يقتضى وجوب النّفر للامرين وهو يقتضى وجوبهما كما عرفت ولو فسّر النّفر بالنّفر إلى الجهاد أمكن ان يستفاد منها بضميمة صدرها وجوب مكث البعض للّتفقّه والأنذار ويتمّ الاستدلال به بما عرفت وامّا وجه استلزام وجوب الأنذار بوجوب العمل بمقتضاه فلأنّ المفهوم من اطلاق وجوب الأنذار عرفا هو جواز العمل بمقتضاه بل وجوبه ولأنّ الأمر بالانذار مع المنع من العمل به يعدّ لغوا وسفها وهو ممتنع في حقّه تعالى الثاني انّ قوله تعالى لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ معناه وجوب الحذر لتعذّر حمله على ظاهره لاستحالة التّرجّى عليه تعالى ووجوب الحذر عند انذارهم في معنى وجوب العمل بما يشتمل عليه اخبارهم لا يقال تعدّد الحمل على الترجّى لا يعيّن الحمل على الإيجاب لإمكان الحمل على النّدب لا سيّما مع مساعدة الأصل عليه لأنا نقول قد حققنا سابقا انّ الظّاهر من الالفاظ المستعملة في الطّلب هو الإيجاب مع انّ ثبوت الرّجحان كاف في اثبات المقصود بل في اثبات الوجوب أيضا للإجماع المركّب واعلم انّ هذه الآية تتناول باطلاقها الانذار بدون الواسطة ومعها مع تعدّد الوسائط وبدونه لأنّ وجوب العمل بانذار المنذرين يقتضى جواز التّعويل على روايتهم في معرفة الأحكام وذلك معنى التّفقّه في الدّين فيجب عليهم انذار غيرهم ويجب عليهم القبول وهكذا الثّانى قوله تعالى إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية فانّه تعالى علّق وجوب تبيّن النّبأ على مجىء الفاسق به فيدلّ بمفهومه على عدم وجوب التّبيّن عند مجىء العادل به ومقتضاه جواز القبول لأنّ الامر بالتّبيّن امّا كناية عن عدم جواز القبول أو مجاز عنه أو مخصوص بما لو أريد العمل بمقتضى بنائه فيكون وجوبه شرطيّا ويرجع إلى الوجه السّابق أو بمواضع خاصّة لا بدّ من التّبيّن فيها منها مورد الآية حيث يجب فيها التّبيّن في مطالبتهم بالصّدقات فان انقادوا وادوّها تبيّن كذب النّبأ وان استنكفوا تبيّن صدقه لكن هذا في الحقيقة راجع إلى امر مخصوص يحصل به التّبيّن وليس طلب نفس التّبيّن وبالجملة فلا بدّ من حمل الأمر بالتّبيّن على أحد هذه الوجوه للإجماع على عدم وجوبة عند خبر الفاسق مطلقا وعلى هذا فما تداول في كتب القوم في بيان وجه الاستدلال من انّه تعالى علّق وجوب التّبيّن على مجيئ الفاسق فعلى تقدير مجيئ العادل امّا ان يجب القبول فهو المدّعى أو الرّدّ فيلزم ان يكون العادل أسوء حالا من الفاسق غير مستقيم إذ مرجع الامر بالتّبيّن في ما عدا الوجه الأخير إلى ردّ نبائه وفي الوجه الأخير وجوب التّبيّن في نبأ العادل وأيضا انّما يتّم ما ذكروه إذا حمل الأمر بالتّبيّن على وجوبه مطلقا وهذا ممّا لا قائل به ثمّ انّ المعروف بينهم انّ الدّلالة المذكورة ناشئة من تعليق الحكم على الشّرط وبعضهم جعلها ناشئة من تعليقه على الوصف وعلى كلّ من التّقديرين يتوقّف على القول بثبوت المفهوم فيهما وقد حقّقنا سابقا انّ تعليق الحكم على الشّرط يدلّ على انتفائه عند انتفائه بخلاف التّعليق على الوصف فيبطل الاستدلال على الوجه الأخير وامّا على الوجه الأوّل فيتجه الأشكال فيه من وجوه الثّالث قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى الآية وجه الدّلالة انّ الموصولة بعمومها تتناول الأحكام الشّرعيّة والتّهديد على كتمانها يقتضى وجوب بيانها واظهارها وهو يقتضى وجوب عمل السّامعين بها والّا لانتفت الفائدة في بيانها ويرد عليه وجوه منها انّ المراد انذار اليهود حيث كانوا يخفون أوصاف الرّسول ممّا كان مذكورا عندهم في التّورية فلا تعلّق له بالمقام ويمكن دفعه بأنه تخصيص لا شاهد عليه إذ على تقدير تسليم ورودها في ردعهم فالعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص المورد ومنها انه لا يتناول ما بيّنه الرّسول أو الأمام إذا لم يكن في الكتاب كما هو محلّ الحاجة من خبر الواحد والجواب انّ كلّ ما بيّنه الرّسول أو الأمام فقد بيّن في الكتاب ولو بعمومات الأمر بالطّاعة والتّحذير عن المعصية أو بالخصوص كما يدلّ عليه قوله تعالى وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ الرّابع قوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وجه الدّلالة