المقريزي
77
إمتاع الأسماع
قال ولما نزل المغمس جاء مكة أول من جاء بنزوله أبو قحافة ومعمر بن عثمان وعمير بن جدعان ، كانوا في إبل عبد الله بن جدعان هناك ، فأخبروا الناس ، فحف الناس ولحقوا برؤوس الجبال وبالشعاب وبطون الأودية . قال الواقدي : وحدثي سيف بن سليمان قال : سمعت مجاهدا يقول : لما ولي عبد المطلب من عند أبرهة منصرفا ، أمر أبرهة أصحابه بالتهيؤ والتعبئة لإقحامهم الحرم ، فعبئوا كتيبة القتال ، وصفوا الصفوف ، وقدموا الفيلة كما كانوا يصنعون في الحروب ، وقدم صاحب مقدمته الأسود بن مفصود ، ووقف أبرهة كما كان يقوم في الحروب ، معه وجوه أصحابه قد حفوا به من وجوه الحبشة والعرب ممن قد سار به ، وقد أخذت صفوف أقطار الأرض بعضها خلف بعض . وكان الفيل إذا حملوا لم يسر ويحرن كحران الدابة ويكر كر الناس ، حتى بلغ أبرهة ذلك ، فجاء وهو في أصحابه حتى وقف على دابته فجعل يصيح بسائس الفيل فيضربه ، فإذا ألح عليه ربض وصخ ( 1 ) ، فينخس بالرمح ولا ينثني . قال : وحدثني عبد الله بن عمرو بن زهير عن أبيه ، عن عبد الله بن خراش الكعبي عن أبيه قال : أقبل عبد المطلب يومئذ وأقبل أصحاب الفيل ، فلما رأى عبد المطلب ما هموا به سار سريعا على فرسه حتى أوفى على حراء ، ومعه عمرو بن عائد بن عمران ابن مخزوم ومطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومسعود بن عمرو الثقفي ، ينظرون كلما حمل الحبشة الفيل على الحرم ربض ، فيقبل الحبشة بحرابهم ورماحهم وعصيهم يطعنونه بها فيقوم ، فإذا حملوه على الحرم برك وصاح ، وإذا وجهوه من حيث جاء ولى وله وجيف ( 2 ) ، وأي وجه شاءوا طاوعهم ما لم يحملوه على الحرم . قالوا : فبينا عبد المطلب وأصحابه على حراء - وهم يحملون الفيل على الحرم -
--> ( 1 ) صخ الصوت الأذن يصخها صخا ، وفي حديث ابن الزبير وبناء الكعبة : فخاف الناس أن تصيبهم صاخة من السماء ، هي الصيحة التي تصخ الأسماع ، أي تقرعها وتصمها . قال ابن سيده : الصاخة صيحة تصخ الأذن أي تطعنها فتصمها لشدتها ، ومنه سميت القيامة الصاخة . ( لسان العرب ) : 3 / 33 ، ( النهاية ) : 3 / 14 ، وفي ( دلائل أبي نعيم ) : ( برك وصاح ) . ( 2 ) وجيف : اضطراب من سرعة المشي .