المقريزي

49

إمتاع الأسماع

معي في البيت أحدا وأنا لا أرى شيئا ، فولدت محمدا صلى الله عليه وسلم . فلما خرج من بطني نظرت إليه فإذا أنا به ساجدا قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل ، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته ، فغيب عن وجهي ، فسمعت مناديا ينادي ويقول : طوفوا بمحمد شرق الأرض وغربها ، وأدخلوه البحار كلها ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ، ويعلمون أنه سمي الماحي لا يبقي شئ من الشرك إلا محي به في زمنه . ثم تجلت عنه في أسرع وقت ، فإذا به مدرج في ثوب صوف أبيض ، أشد بياضا من اللبن ، وتحته حبرة خضراء ، قد قبض محمد صلى الله عليه وسلم على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض ، وإذا قائل يقول : قبض محمد على مفاتيح النصر ومفاتيح الريح ومفاتيح النبوة . ثم أقبلت سحابة أخرى أعظم من الأولى ونور ، يسمع منها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة من كل مكان ، وكلام الرجال ، حتى غشيته فغيب عني أطول وأكثر من المرة الأولى ، فسمعت مناديا ينادي [ و ] يقول : طوفوا بمحمد الشرق والغرب على مواليد النبيين ، واعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والطير والسباع ، وأعطوه صفاء آدم ، ورقة نوح وخلة إبراهيم ولسان إسماعيل وصبر يعقوب وجمال يوسف وصوت داود ، [ وصبر أيوب ] ، وزهد يحيى ، وكرم عيسى ، واعمروه في أخلاق الأنبياء . ثم تجلت عنه في أسرع من طرف العين ، فإذا به قد قبض على حريرة خضراء ، مطوية طيا شديدا ، ينبع من تلك الحريرة ماء معين ، وإذا قائل يقول : بخ بخ ، قبض محمد على الدنيا كلها ، لم يبق خلق من أهلها إلا دخل في قبضته طائعا بإذن الله تعالى ، ولا قوة إلا بالله . قالت آمنة : فبينا أنا أتعجب وإذا بثلاثة نفر - ظننت بأن الشمس تطلع من خلال وجوههم - في يد أحدهم إبريق من فضة ، وفي ذلك الإبريق ريح المسك ، وفي يد الثاني طست من زمرد أخضر ، عليها أربعة نواحي كل ناحية من نواحيها لؤلؤة بيضاء ، وإذا قائل يقول : هذه الدنيا شرقها وغربها وبرها وبحرها ، فاقبض