المقريزي
50
إمتاع الأسماع
يا حبيب الله على [ أية ] ناحية شئت . قالت : فدرت لأنظر أين قبض من الطست ، فإذا هو قد قبض على وسطها ، فسمعت القائل يقول : قبض على الكعبة ورب الكعبة ، أما إن الله قد جعلها له قبلة ومسكنا مباركا ، ورأيت في يد الثالث حريرة بيضاء مطوية طيا شديدا فنشرها ، فأخرج منها خاتما تحار أبصار الناظرين دونه ، ثم حمل ابني فناوله صاحب الطست وأنا أنظر إليه ، فغسله بذلك الإبريق سبع مرات ، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ختما واحدا ولفه في الحريرة ، واستدار عليه خطا من المسك الإذفر ، ثم حمله فأدخله بين أجنحته ساعة . قال ابن عباس : كان ذلك رضوان خازن الجنان ، وقال في أذنه كلاما كثيرا لم أفهمه ، وقبل بين عينيه وقال : أبشر يا محمد ، فما بقي لنبي علم إلا أعطيته ، فأنت أكثرهم علما وأشجعهم قلبا ، معك مفاتيح النصر ، وقد ألبست الخوف والرعب ، ولا يسمع أحد بذكرك إلا وجل في فؤاده ، وخاف قلبه ، وإن لم يرك يا حبيب الله . قالت : ثم رأيت رجلا قد أقبل نحوه حتى وضع فاه على فيه ، فجعل يزقه كما تزق الحمامة فرخها ، فكنت أنظر إلى ابني يشير بأصبعه يقول : زدني ، زدني فزقه ساعة ثم قال : أبشر يا حبيبي ، فما بقي لنبي حلم إلا وقد أوتيته . ثم احتمله فغيبه عني ، فجزع فؤادي وذهل قلبي فقلت : ويح لقريش والويح لها ؟ ماتت كلها ، أنا في ليلتي وفي ولادتي ، أرى ما أرى ، ويصنع بي ما يصنع ولا يقربني أحد من قومي ، إن هذا لهو أعجب العجب . قالت : فبينا أنا كذلك إذا أنا به رد علي كالبدر ، وريحه يسطح كالمسك وهو يقول : خذيه ، فقد طافوا به الشرق والغرب على مواليد الأنبياء أجمعين ، والساعة كان عند أبيه آدم فضمه إليه ، وقبله بين عينيه ، وقال : أبشر حبيبي ، فأنت سيد الأولين والآخرين ، ومضى ، وجعل يلتفت ويقول : أبشر يا عز الدنيا وشرف الآخرة ، فقد استمسكت بالعروة الوثقى ، فمن قال بمقالتك وشهد بشهادتك حشر غدا يوم القيامة تحت لوائك وفي زمرتك ، وناولنيه ومضى ، ولم