المقريزي
48
إمتاع الأسماع
نبيك هذا يتيما ، فقال الله للملائكة : أنا له ولي وحافظ ونصير ، وتباركوا بمولده ، فمولده ميمون مبارك ، وفتح الله تعالى لمولده أبواب السماء وجنانه . فكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول : أتاني آت حين مر بي من حمله ستة أشهر ، فوكزني برجله في المنام وقال لي : يا آمنة ، إنك قد حملت بخير العالمين طرا ، فإذا ولدتيه فسميه محمدا ، واكتمي شأنك . قال فكانت تحدث عن نفاسها وتقول : لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ، ذكر ولا أنثى ، وإني لوحيدة في المنزل - وعبد المطلب في طوافه - قالت : فسمعت رجة شديدة وأمرا عظيما فهالني ، وذلك يوم الاثنين فرأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي ، فذهب عني كل رعب وكل فزع ووجع كنت أجد . ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا - وكنت عطشى - فتناولتها فشربتها ، فأضاء مني نور عال ، ثم رأيت نسوة كالنخل طولا ( 1 ) ، كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي ، فبينا أنا أعجب وأقول : وا غوثاه ، من أين علمن بي هؤلاء ، واشتد الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول ، فإذا أنا بديباح قد مد بين السماء والأرض وإذا قائل يقول : خذوه عن أعين الناس . قالت : ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة ، وأنا أرشح عرقا كالجمان ، أطيب ريحا من المسك الإذفر وأقول : يا ليت عبد المطلب قد دخل علي وعبد المطلب نائي . قالت : فرأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي ، مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من اليواقيت ، فكشف الله لي عن بصري ، فأبصرت ساعتي تلك مشارق الأرض ومغاربها ، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات : علما في المشرق وعلما في المغرب وعلما على ظهر الكعبة ، فأخذني المخاض واشتد بي الأمر جدا ، فكنت كأني مستندة إلى أركان النساء ، وكثرن علي حتى لا أرى
--> ( 1 ) في ( خ ) : ( الطول ) ، وما أثبتناه من ( المواهب اللدنية ) .