المقريزي

389

إمتاع الأسماع

ولا يقتضي أيضا هذا ظاهر السيرة في السياسة ، فصح يقينا أنه صلى الله عليه وسلم متبع لما أمره به ربه تعالى ، وسواء كان ذلك الأمر مضرا به في ظاهر الأمر غاية الإضرار أو غير مضر به ، وهذا أحب الناس إليه ، وابن عم أبيه من أخص الناس به ، وهو مع ذلك زوج ابنته التي لا ولد له غيرها ، وله منها ابنان ذكران ، وكل من عمه وابن عمه اللذين هما أقرب الناس إليه ، له من الفضل والسياسة والعقل وخلال الخير ما يستحق به سياسة العالم كله ، فلم يحابهما وهما من أحب الناس إليه وأشدهم [ غنى ] ( 1 ) عنه ، إذ كان غيرهما متقدما عليهما في الفضل ، وإن كان بعيد النسب عنه ، بل فوض الأمر إليه قاصدا إلى أمر الحق ، واتباع ما أمر به ، ولم يورث صلى الله عليه وسلم ورثته فلسا فما فوقه ، وهم أحب الناس إليه ، وأطوعهم له ، وهذه أمور لمن تدبرها كافية مغنية . قال الأعمش عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : ذكروا عند عبد الرحمن - يعني ابن مسعود رضي الله عنه - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وإيمانهم ، فقال عبد الله : إن أمر محمد كان بينا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، [ ثم قرأ ] ( 1 ) : ( آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ( 2 ) إلى قوله : ( يؤمنون [ بالغيب ] ( 3 ) ) . قال الحاكم : فقد صح ما ذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته التي أتى بها ، هي التي وضحت براهينها ، واضطرت دلائلها إلى تصديقها ، والقطع على أنها الحق الذي لا حق سواه ، وأنها من الله تعالى الذي لا دين له في العالم غيره ، والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، لقد جاءت رسل ربنا بالحق . * * *

--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) البقرة : 1 - 3 . ( 3 ) زيادة لتصويب الآية الكريمة .