المقريزي
366
إمتاع الأسماع
فرجعا مردودين مقبوحين ، مردودا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا مع خير جار في خير دار ، فلم ينشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه ، فوالله ما علمنا حربا قط كان أشد منه فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه ، فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه ، فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي ، فخرج إليه سائرا ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض : من رجل يخرج [ فيحضر ] ( 1 ) الوقعة ينظر على ما تكون ؟ فقال الزبير - وكان من أحدثهم سنا - : أنا ، فنفخوا له قربة جعلها في صدره ، ثم خرج فسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر إلى حيث التقى الناس ، فحضر الوقعة ، فهزم الله ذلك الملك وقتله ، وظهر النجاشي عليه . فجاءنا الزبير فجعل يليح إلينا بردائه ويقول : ألا أبشروا ، فقد أظهر الله النجاشي ، فوالله ما علمنا فرحنا بشئ قط فرحنا بظهور النجاشي ، ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا راجعا إلى مكة ، وأقام من أقام . وقد رويت قصة الهجرة إلى الحبشة وإسلام النجاشي من طرق عديدة ، مطولة ومختصرة ( 2 ) . وقال محمد بن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد مولى حبيب ابن أوس ، عن حبيب قال : حدثني عمرو بن العاص ، حدثه من فيه إلى أذني قال : لما انصرفنا من الخندق جمعت رجالا من قريش يسمعون مني فقلت لهم : أترون رأيي وتسمعون مني ؟ قالوا : نعم ، قلت : إني أرى أمر محمد يعلو الأمور كلها علوا شديدا ، وإني قد رأيت [ رأيا ] ( 3 ) ما ترون فيه ؟ قالوا : ما هو ؟ قلت : أرى أن ألحق في النجاشي ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فنكون تحت يديه أحب إلينا [ من ] ( 3 ) أن نكون تحت يدي محمد ، وإن ظهر قومنا على محمد ، فهم من قد [ عرفتموهم ] ( 3 ) ولا رأينا منهم إلا خيرا ، فقالوا : إن هذا للرأي ، فقلت : فأجمعوا هدايا نهدها له - وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم .
--> ( 1 ) زيادة للسياق من ( دلائل البيهقي ) . ( 2 ) ( دلائل البيهقي ) : 2 / 301 - 304 ، ( دلائل أبي نعيم ) : 1 / 247 - 250 ، حديث رقم ( 194 ) ، ( حلية الأولياء ) 1 / 115 . ( 3 ) زيادة للسياق .