المقريزي

322

إمتاع الأسماع

قال ابن الأنباري : إذا روى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه : ( والعصر * إن الإنسان في خسر ) ( 1 ) ، كما يقرأ المسلمون جميعا بشهادة عاصم على أبي عبد الرحمن ، فرواية أبي عبد الرحمن تنسخ كل رواية في القراءة عن علي ، لموضع أبي عبد الرحمن عن علي ، وضبطه عنه ، وأنه كان يقرئ الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فهذه جهة تبطل رواية من روى عن علي رضي الله عنه : ( والعصر * ونوائب الدهر ) . الجهة الثانية : أن عليا لما أفضت الخلافة إليه بعد عثمان رضي الله عنه ، وكان إمام المسلمين وقدوتهم ، لو علم أن ( والعصر ) في مصحف عثمان الذي أجمع عليه المسلمون تنقص ( ونوائب الدهر ) ، لم يستحل ترك خلل في المصحف ، ونقص ألفاظ تنقص بها من ثواب القارئ حسنات ، ويزول من جهتها معنى أراده الله وقصد له ، فترك علي ( والعصر ) ( 2 ) في مصاحف المسلمين على ما لا يعرف غيره ، هو الدليل على أن من روى : ( والعصر * والنوائب الدهر ) كذب أو نسي . والجهة الثالثة : أن المسلمين أجمعوا على أن هذا هو القرآن الذي أنزله رب العالمين على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، لا زيادة فيه ولا نقصان ، فمن ادعى زيادة أو نقصانا منه فقد أبطل إلا جماع ، وبهت الناس ورد ما قد صح عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان كمن قال : الصلوات المفروضات خمسون صلاة ، وتزوج تسع من النساء ؟ حلال ، وفرض الله أياما فصام مع شهر رمضان ، فإذا رد جميع هذا الإجماع ، كان الإجماع على القرآن أثبت وأوكد ، والبناء عليه أولى . وعلي رضي الله عنه داخل في الإجماع غير خارج منه . وأيضا فقد كان علي يصلي بالمسلمين صلاة المغرب ، وصلاة العشاء الآخرة ، وصلاة الصبح ، فيقرأ والناس وراءه يستمعون قراءته . فلو خالف عثمان وأبا بكر وعمر في حرف واحد أو أكثر ، لسارع الناس إلى سؤاله عنه ، وقبوله منه ، وتغييره من المصاحف بمحضر منه ، فلما سمعوا قراءته طول خلافته ، فلم ينكروا حرفا ولم يغيروا مما سمعوا منه شيئا من المصحف ، كان هذا هو الدليل على أن قراءة علي هي قراءة أبي بكر وعمر وعثمان ، والحجة واضحة برواية أبي عبد الرحمن السلمي ، عنه ما يوافق قراءتنا ولا يخالفها

--> ( 1 ) العصر : 1 - 2 . ( 2 ) العصر : 1 .