المقريزي

28

إمتاع الأسماع

موصول ، والنصح لك مبذول ، إني آنست بأرض الشام ، نفرا من آل العذام ، حكاما على الحكام ، يتدبرون ذا رونق من الكلام ، ليس بالشعر المؤلف ، ولا السجع المتكلف ، فأصغيت فزجرت ، وعاودت فلطفت ، فقلت : بم يهيمنون ، وإلام يعتزون ؟ قالوا : خطاب كبار ، جاء من عند الملك الجبار ، فاسمع يا شصار ، عن أصدق الأخبار ، واسلك أوضح الآثار ، تنج من أوار النار ، فقلت : وما هذا الكلام ؟ قالوا : فرقان بين الكفر والإيمان ، رسول من مضر من أهل المدار ، ابتعث فظهر . فجاء بقول قد بهر ، وأوضح نهجا قد دثر ، فيه مواعظ لمن اعتبر ، ومعاذ لمن ازدجر ، ألف بالآي الكبر ، قلت : ومن هذا المبعوث من مضر ، قالوا : أحمد خير البشر ، وإن خالفت أصليت سقر ، فآمنت يا جنافر ، وأقبلت إليك أبادر ، فجانب كل نجس كافر ، وشايع كل مؤمن ظاهر ، إلا فهو الفراق على تلاق ، قلت : من أين أبغي هذا الدين ؟ قال : من ذات الآخرين ، والنفر الميامين ، أهل الماء والطين ، قلت : أوضح ، قال : الحق بيثرب ذات النخل ، والحرة ذات النعل ، فهناك أهل الفضل ، والطول والبذل ، ثم أملس عني فبت مذعورا أراعي الصباح ، فلما برق لي النور ، امتطيت راحلتي وأذنت أعبدي ، واحتملت بأهلي حتى وردت الجوف ، فرددت الإبل على أربابها ، بحولها وسقائها ، وأقبلت أريد صنعاء ، فأصبت بها معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايعته على الإسلام ، وعلمني سورا من القرآن ، فمن الله علي بالهدى بعد الضلالة ، والعلم بعد الجهالة ( 1 ) ، وقلت في ذلك : ألم تر أن الله عاد بفضله * فأنقذ من لفح الرحيج جنافرا وكشفه لي جحمتي عما هما * وأوضح لي نهجي وقد كان داثرا دعاني شصار للتي لو رفضتها * لأصليت جمرا من لظى الهوف واهرا فأصبحت والإسلام حشو جوانحي * وجانبت من أمسى عن الحق بائرا وكان مضلي من هديت برشده * فلله مغو عاد بالرشد آمرا نجوت بحمد الله من كل قحمة * تورث هلكا يوم شايعت شاصرا

--> ( 1 ) لم أجد هذا الخبر فيما بين يدي من المراجع .