المقريزي

228

إمتاع الأسماع

أما إعجاز القرآن الكريم فقد اختلف فيه ، هل هو من حجة البلاغة أو الصرفة ؟ ثم اختلف القائلون بأنه من جهة البلاغة ، فقال قوم : الإعجاز باعتبار أسلوب البلاغة ، وقال آخرون : بل بشرف البلاغة . والفرق بين الأسلوب والشرف ، أن الأسلوب هو النمط الخارج عن الأنماط المألوفة عندهم ، كالخطابة ، والمناظرة ، والقصيد ، والرجز ، والخصومة ، والرقي ، والعوذ . وشرف البلاغة يدخل منه المعنى الذي هو سبق الكلام له ، ومن ذهب إلى هذا جعل وجوه الإعجاز عشرة : أحدها : النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها ، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شئ ، ولذلك قال الله تعالى : ( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) ( 1 ) . وفي صحيح مسلم : أن أنيسا أخا أبا ذر رضي الله عنه قال لأبي ذر : لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله ، قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون شاعر [ و ] كاهن [ و ] ساحر ، - وكان أنيس أحد الشعراء - قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على [ إقراض ] الشعر فلم يلتئم على [ قول ] ( 2 ) أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق ، وإنهم لكاذبون . [ وكذلك ] ( 2 ) أخبر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر ، لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حم ) ( 3 ) فصلت ، فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان والفصاحة والبلاغة بأنه ما سمع مثل القرآن قط ، كان في هذا القول مقرا بإعجاز

--> ( 1 ) يس : 69 . ( 2 ) زيادة للسياق . ( 3 ) فصلت : 1 .