المقريزي

229

إمتاع الأسماع

القرآن له ولغرمانة من المتحققين بالفصاحة ، والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه . ثانيها : غرابة الأسلوب العجيب ، والاتساق الغريب ، الخارج عن أعارض النظم ، وقوانين النثر ، وأسجاع الخطب ، وأنماط الأراجيز . ثالثها : حسن التركيب ، وبديع ترتيب الألفاظ ، وعذوبة مساقها وجزالتها ، وفخامتها وفصل خطابها . وهذه الوجوه الثلاثة من النظم والأسلوب والجزالة ، لازمة بكل سورة ، بكل آية ، وبهذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر ، وبها وقع التحدي والتعجيز ، فكل سورة تنفرد بهذه الثلاث من غير أن يضاف إليها أمر إلا من الوجوه العشرة ، فهذه سورة الكوثر ، بثلاث آيات قصار ، وهي أقصر سورة في القرآن ، قد تضمنت الإخبار عن معنيين : أحدهما : الإخبار عن الكوثر ، وهذا يدلك على أن المصدقين به أكثر من أتباع الرسل . والثاني : الإخبار عن الوليد بن المغيرة ، وقد كان عند نزول الآية ذا مال وولد ، فأهلك الله ماله وولده وانقطع نسله . رابعها : التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي ، حتى يقع منهم الاتفاق بل جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف في موضعه . خامسها : الإخبار عن الأمور التي تقدمت من أول الدنيا إلى وقت نزوله ، من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه ( 1 ) ، فأخبرنا بما كان من قصص الأنبياء مع أممها ، والقرون الحالية في دهرها ، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه ، وتحدوه به من قصة أهل الكهف ، وشأن موسى والخضر ( 2 ) ، وحال ذي

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة العنكبوت : ( وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ) آية : ( 48 ) . ( 2 ) شأن موسى والخضر عليهما السلام : راجع سورة الكهف : 60 - 82 .